الرؤية الإسلامية في كتابات الدكتور محمد صالح ناصر الأدبية والنقدية غنية دومان [دارسة عن الإباضية]

موقف محمَّد ناصر من الحداثة والحداثيِّين

الجزء ١ · صفحة ٢٣٤

ولابدَّ أن نشير إلى خطورة دعاوى غلاة الحداثيِّين، الذين يطالبون بإسقاط الماضي، وقطع الجذور نهائيًّا مع الأصول الأدبيَّة، والدِّينيَّة العربيَّة واعتبار الماضي كلِّه مجموعة من الخراب والأنقاض، لا قيمة لها، وكأنَّ الحداثة ثورة على الماضي والحاضر معًا، وهنا يقول الشَّاعر نزار قباني وهو من دعاة الحداثة أيضا: خطأ كبير أن نتصوَّر أنَّ الحديث - لكي يكون حديثًا - لابدَّ من ارتكاب جريمة قتل ضدَّ السَّابق له زمانيًّا، فمثل هذا التَّصوُّر، سيجعل التَّاريخ مقبرة أو مذبحة، ولا ينجو في النِّهاية أحد، العظيم لا يأتي من العدم، ولا من المصادفة (1).

هذه المواقف تنمُّ عن تغيُّر رؤى الحداثيِّين حول الحداثة نفسها، ولكنَّ الله قال وقوله الحقُّ: ( … إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ … )، (سورة الرَّعد، الآية 11).

من هذه المعطيات والتَّصريحات يعلن محمد ناصر إفلاس الحداثة؛ لأنَّها حسب رأيه لم تكن في يوم من الأيَّام المشروع البديل والرُّؤية الجديدة للعالم والإنسان والحياة، ويرجع أسباب هذا الإفلاس إلى أنَّها خاصمت ثوابت الأمَّة وهي الدِّين واللُّغة، وجاهرت بالعداء لكلِّ رموزها حضارةً وتاريخًا وفكرًا، وانساقت وراء التَّقليعات الوهميَّة، تهافت عليها الحداثيُّون بعد أن مجَّها الغرب الصَّليبي (2). وما دام هؤلاء الأدباء يعتزُّون بالنَّموذج الغربي فلماذا لا يطلقون على أدبهم الأدب الغربي، أو المتغرِّب أو أي اسم آخر يختارونه ويكون دالّا على هذا النَّوع من الكتابة (3).

ليس من الضَّروري أن تكون الحداثة هدما وإلغاء للتُّراث، والنَّظر للموروث الفكري والأدبي، على أنَّه سلطة، يجب الفكاك منها، ومحو متعمِّد لذاكرة الأمَّة.

إنَّ النَّصَّ المتجذِّر في التَّجربة العربيَّة، والحامل لموقف كوني من الوجود والإنسان، والمراهن على الجمال والحريِّة في ظلِّ القيم الإنسانيَّة الحقَّة، لا يمكن إلّا أن يكون حداثيًّا، وما أكثر هذه النُّصوص في تراثنا العربي.

(1) وليد قصَّاب: "في الحداثة العربيَّة المنشودة"، مقالة، الرّافد، العدد 104، أبريل 2003 م، الشّارقة.

(2) ينظر: محمد ناصر: "حداثة أم ردَّة"، ص 64.

(3) محمد ناصر: "خصائص الأدب الإسلامي"، ص 35.