موقف محمَّد ناصر من الحداثة والحداثيِّين
الجزء ١ · صفحة ٢٣٣أمَّا إذا فتحنا المجال التَّجريبي في الحداثة لتنفصل على المواصفات السَّائدة جريا (1) وراء التَّقليد الأعمى للغرب، بلابدّ أن يحدث الخلل ويخيب مسعى صاحبه، وعليه فليس كلُّ تجربة حداثة، بل إنَّ من شأنه أن يفرغ الحداثة من قيمتها (2).
كما يؤكِّد محمد ناصر على أنَّ الرَّمز والغموض في هذا الشِّعر الحداثي يقومان أساسًا على تدمير ونسف تلك الجسور الموصلة بينهم وبين الجمهور (3).
يعرف رولان بارث الحداثة بأنَّ لها: أفكارًا جديدة، وأشكالاً غير مألوفة، وتكوينات غريبة وأقنعة عجيبة، فيقف بعض النَّاس منبهرًا بها، وبعضهم الآخر خائفًا منها، هذا الطُّوفان المعرفي يولِّد خصوبة لا مثيل لها، ولكنَّه يغرق أيضا (4).
من خلال هذا التَّعريف تظهر النَّتائج الكارثيَّة للإغراق في الرَّمز والغموض اللَّذين يحاكمان الضَّياع الغربي (5)، وبالتَّالي تنعكس هذه الرُّؤيا على واقع الأدب الحداثي العربي.
إنَّ دعاة الحداثة وعلى رأسهم أدونيس ونزار قباني تظهر لهم مواقف مناقضة لرؤاهم الحداثيَّة، فيمكن للحداثة التي هي خروج عن المألوف أن تكون في الوقت نفسه عند أدونيس ارتباطًا بالتُّراث، ويصرح بحتميَّة هذه العلاقة في قوله: إنَّ الكاتب لا يكتب في فراغ، بل يكتب ووراءه الماضي، وأمامه المستقبل، فهو ضمن تراثه، مرتبط به، ولكنَّ هذا الارتباط ليس محاكاة للأساليب، والنَّماذج التَّقليدية، وليس تماشيًا معها، ولا بقاء ضمن قواعدها، ومناخها الثَّقافي الفنِّي والرُّوحي، فليس التُّراث إعادة في الكتابة، أو موضوعات طرقت، ومشاعر عوينت، وعبَّر عنها، وإنَّما هي طاقة معرفيَّة، وحيويَّة خلق، وذكرى في القلب والرُّوح (6).
(1) أحمد رحماني: "النَّقد الإسلامي المعاصر"، ص 518.
(2) المرجع نفسه.
(3) جمال سلطان: "أدب الرِّدَّة"، أنظر محمد ناصر: "حداثة أم ردَّة"، ص 55.
(4) عدنان علي رضا النَّحوي: "الأدب الإسلامي، إنسانيَّته وعالميَّته".
(5) أحمد رحماني: "النَّقد الإسلامي المعاصر"، ص 518.
(6) أدونيس: "زمن الشِّعر"، دار العودة، ط 2، ص 45.