الأهميَّة الفكريَّة للتُّراث: أدب محمَّد ناصر بين التَّأصيل والتَّجريب
الجزء ١ · صفحة ٢٣٦نشأ محمد ناصر ليجد الأدباء العرب بجانب زوبعة الحداثة التي نكثت رؤوسهم … فهم مستطارون معجِّلون إلى الشُّهرة والكسب وكثرة الإنتاج ولمعان الأسماء .... وقد استفادوا من مذاهب الغرب وأفكاره … وقواعده الفنِّيَّة … ولكنَّهم فقدوا شخصيَّتهم، وانسلخوا من كلِّ موروثاتهم الفكريَّة والرُّوحيَّة والإديولوجيَّة، وانسلخوا من ذواتهم وكيانهم وأصبحوا بلا كيان (1).
لكنَّ نشأة محمد ناصر العلميَّة كانت دائما تحذِّره من المعاصرة وتدعوه للتَّطوُّر، بقدر ثباته أمام كلِّ ما يمسُّ بمقوِّمات الشَّخصيَّة الإسلاميَّة الأصيلة، لغةً، ودينًا، ويصحبه دومًا الإيمان القويِّ بالقيم والثَّوابت ورأس شامخ أمام عواصفَ، كثيرًا ما هبَّت هنا وهناك (2) (3).
وعلى الرَّغم من تلك الظُّروف التي وجدها محمد ناصر عند ولوجه عالم الكتابة (4)، إلَّا أنَّه رفض أن ينقطع عن أصوله الثَّقافيَّة، ليغترب في الأدب الحديث، وأصرَّ في عناد شديد ألَّا يتقدَّم في عصر إلّا مستمرًّا مع ذاتيِّته الحضاريَّة، فكان انفتاحه على التُّراث العربي، بمختلف منجزاته، في طموح إلى إعادة تأصيل قدر كبير منه، خاصَّة التُّراث الأدبي الجزائري والعماني، من خلال:
1. أوَّلاً: العمل على تأصيل أهمِّ رافد من روافد الأدب الإسلامي في نفوس النَّاشئة، وهو القرآن الكريم من خلال القصَّة القرآنيَّة، وقد تفرَّغ مؤخَّرًا إلى الدِّراسات القرآنيَّة (5).
2. ثانيًا: كتابته في السِّير والأعلام في الأدب الجزائري، خاصَّة الشَّخصيَّات الإباضيَّة، والأدباء والشُّعراء وتعتبر هذه الكتب وثائق تاريخيَّة مهمَّة، تدوِّن حقائق اجتماعيَّة وسياسيَّة وثقافيَّة، يمكن للدَّارسين أن يعودوا إليها أثناء بحوثهم، لأنَّ محمد ناصر اتَّبع منهجيَّة خاصَّة
(1) محمد قطب: "منهج الفنِّ الإسلامي"، ص 224.
(2) محمَّد ناصر: "مشايخي كما عرفتهم"، ص 308.
(3) يتحدَّث محمد ناصر عن نشأته وهو طالب بمعهد الحياة على يد أستاذه الشِّيخ عدُّون، والذي كان يدعو طلّابه إلى المبادرة نحو العلم والبحث والابداع.
(4) (() بدأ محمد ناصر الكتابة في نهاية الخمسينات وبداية السِّتينات، وكان النَّصُّ الشِّعري أولى هذه المحاولات.
(5) عند مقابلتنا لمحمد ناصر في مارس 2014 م، أخبرنا أنَّه تفرَّغ في المدَّة الأخيرة للدِّراسات القرآنيَّة.