الأهميَّة الفكريَّة للتُّراث: أدب محمَّد ناصر بين التَّأصيل والتَّجريب
الجزء ١ · صفحة ٢٣٧في هذه الدِّراسات، وكان يهتمُّ كثيرًا بالتَّأريخ للأحداث، ويستند إلى الكثير من الوثائق والصُّور التَّاريخيَّة، من أجل إضفاء مسحة من المصداقيَّة العلميَّة على هذه الدِّراسات (1).
ولقد سعى من خلال هذه الدِّراسات والمؤلَّفات إلى تحقيق خصوصيَّة؛ لرغبته في تقديم ما لم يعرف مثله في تاريخ الأدب الجزائري، وقد حقَّق ذلك من خلال استيعاب ما سبقه، ومن ثمَّ تأصيله، وهو ما أتاح له مساحات أكبر من الحريَّة في التَّعبير، بأساليب سرديَّة وشعريَّة، تتَّصل مباشرة بوجدانه وميراثه.
لقد نشأ كاتبنا في بيئة، كان الأدب العربي الحديث في جلِّ مذاهبه قد لبس فيها صورة هجينة من الآداب الأوربيَّة، لكنَّه - على الرَّغم من ذلك - لم يضلَّ طريقه، ولم يفقد يقينه بأنَّ التَّجذُّر في التُّراث هو الحلُّ الوحيد لتمكين العرب من مشاركة الأمم الأخرى في الإبداع، فكان رائدًا في استعادة الكنوز التُّراثيَّة الجزائريَّة، ضمن منهجيَّة أصيلة في البحث والتَّدوين، وكانت مجموعة مجلَّداته السِّتَّة تحت عنوان تاريخ الجزائر وأعلامها (2) التي تبنَّت وزارة الثَّقافة الجزائريَّة طبعها ونشرها، ممَّا مكَّن من حفظ جزء كبير من التُّراث الثَّقافي الأدبي الجزائري، كما أنَّها أغنت المكتبة الجزائريَّة بمجموعة مهمَّة من مصادر البحث العلمي ومراجعه، وكان لهذه المجلَّدات دور كبير في التَّأصيل للأدب الجزائري الحديث، أمَّا في مجال التَّنظير فيعتبر كتابه تراثنا الإسلامي والعصر من أهمِّ مؤلَّفاته التي تعني بالتُّراث، سواء من خلال مفهومه أو أهميَّته أو حركة إحيائه في العالم العربي وفي الجزائر، في حين أنَّ هناك فنونًا أدبيَّة عربيَّة إسلاميَّة عريقة، يحاول الدَّارسون والنُّقَّاد تناسيها، أو إقصاءَها في ظلِّ صراعات الأفكار، والفلسفات والمذاهب (3).
لذا ينوِّه محمد ناصر بدور التُّراث في إحياء حضارات الأمم وبالجهود التي قام بها أسلافنا في جمعه وتدوينه بقوله: إنَّ الاهتمام بالتُّراث وجمعه وتدوينه يعود إلى القرن الثَّاني
(1) تمثِّل هذه الدِّراسات في خمسة مجلّدات: "تاريخ الصَّحافة العربيَّة الجزائريَّة" الجزء:1، 2. "شخصيَّات جزائريَّة" الجزء: 1، 2، "الشِّعر الجزائري الحديث" الجزء 2.
(2) تاريخ الجزائر وأعلامها: في أعمال محمد ناصر، 6 مجلَّدات، عالم المعرفة للنَّشر والتَّوزيع، وزارة الثَّقافة الجزائريَّة، طبعة خاصَّة، 2013 م.
(3) محمد حسن بريغش: "الأدب الإسلامي أصوله وسماته"، ص 203.