المقالة الأدبيَّة
الجزء ١ · صفحة ٥٣3. الصِّراع الفكري بين المثقَّفين (1).
تعتبر جمعيَّة العلماء المسلمين الجزائريِّين أكثر الهيئات نشاطًا ونفعًا في جانب الصَّحافة وكتابة المقالة بأنواعها السِّياسيَّة والدِّينيَّة والأدبيَّة، ممَّا فتح المجال للعديد من الكتَّاب المثقَّفين لنشر آرائهم وأفكارهم عبر صحفها العديدة، وأهمُّها المنتقد، الشِّهاب (2) والبصائر، السُّنَّة، الشَّريعة، الصِّراط.
يرجع محمد مصايف تطوُّر النَّثر الفنِّي الجزائري في ميدان المقالة الفكريَّة والأدبيَّة، لسبب واحد وهو ارتباط المقالة ارتباطا عضويًّا بتطوُّر المجتمع الجزائري، حيث يقول: ممَّا لا ريب فيه أنَّ المجتمع الجزائري قد تطوَّر كثيرًا، في عهد الاستقلال، وبالأحرى انتقل من حالة الاستعمار والثَّورة المسلَّحة إلى حالة الاستقلال والثَّورة الاجتماعيَّة، وهذا الانتقال وحده كافٍ لأن يلفت نظر كتَّاب المقالة إلى دور جديد (3).
وفي ظلِّ التَّحوُّلات التي طرأت على حياة المجتمع، ساير كتَّاب المقالة هذا التَّغيُّر لأنَّهم جزء من المجتمع، يؤثِّرون فيه ويتأثَّرون به؛ وَفق رؤى عديدة وتوجُّهات مختلفة، تبنَّاها كلُّ أديب أو كاتب. كلُّ هذا أسهم في رفع مستوى المقالة الأدبيَّة في الجزائر وأصبحت تضاهي المقالات الأدبيَّة في البلدان العربيَّة الأخرى.
أحبَّ محمد ناصر فنَّ المقالة، وله فيه جولات موفَّقة، ويبدو أنَّه تأثَّر بمعلِّميه: مثل الشِّيخ إبراهيم اطفيش وأبي اليقظان في هذا المجال، مع الاختلاف في الأسلوب، فيقول في سيرته الذَّاتية: تعلَّمت واستفدت من شيخي إبراهيم اطفيش أنَّ قيمة المرء المسلم في هذه الحياة، أن يظل ثابتًا ثبات الرَّواسي على قيمه الدِّينيَّة والخلقيَّة، مهما لقي في سبيل ذلك من
(1) عبد المالك مرتاض: "فنون النَّثر الأدبي في الجزائر"، ديوان المطبوعات الجامعيَّة، الجزائر، 1983 م، ص 85.
(2) المنتقد ليست لجمعيَّة العلماء، هي لابن باديس، صدرت سنة 1925 م قبل ظهور الجمعيَّة. الشِّهاب أيضًا لابن باديس صدرت سنة 1925 م. (بوحجام: م. ن. ب)
(3) محمد مصايف: "النَّثر الجزائري الحديث" المؤسَّسة الوطنيَّة للكتاب، الجزائر، 1983 م، ص 125.