الإبداع الشِّعري عند محمد ناصر
الجزء ١ · صفحة ٩٢إنَّ شاعرنا صانع ماهر، حيث يصوغ عناوين قصائده، مشكِّلة تعبيرات رومانسيَّة متوالية تجسِّد إحساسًا لديه، وتدفع المتلقِّي كي يتوحَّد معه في إغراقاته الذَّاتيَّة، التي هي جزء من إغراقات الإنسان في معاناته الوجوديَّة في مختلف أشكالها وتعدُّد صورها، كما تتجسَّد هذه العناوين: (ذكرى وحنين، لحن من بلادي، من وحي رسالتها في العيد، البراعم والحياة … ) كلُّ هذه العناوين تؤكِّد انتمائية محمد ناصر الوطنيَّة، والتَّاريخية والثَّوريَّة والدِّينيَّة، وتكشف عن الآليات والأنساق التي يشتغل بموجبها النَّصّ، وتتألَّف بها شعريته وجمالياته الفنِّيَّة (1).
أمَّا الدِّيوان الثَّاني للشَّاعر محمَّد ناصر فهو في رحاب الله، وأغلب قصائد هذه المجموعة كتبها ونشرها في الثَّمانينات، وقد اختار لها هذا العنوان لأنَّ هذه المجموعة تضمُّ قصيدة بهذا العنوان، وهي قصيدة يعتزُّ بها اعتزازًا كبيرًا، ولعل في العنوان أيضًا ما يشير إلى الخطِّ الفكري الذي تسير فيه هذه الأشعار (2).
تتكوَّن هذه المجموعة من 22 قصيدة، كتبها الشَّاعر في ظلِّ فترة زمنيَّة عصيبة، تميَّزت باحتدام الصِّراع بين المعسكرين الشَّرقي والغربي، وبتبعيَّة الدُّول العربيَّة الإسلاميَّة إلى أحد هذين المعسكرين، ويحكم عليها بأنَّها قصائد مناسبات، مبرزًا ذلك بقوله: وهل المناسبة شيء غير القضايا والأحداث التي نعيشها يوميًّا في محيطنا الشَّخصي أو الوطني أو القومي أو الإنساني، ولا أحسب أنَّ شاعرًا مهما ادَّعى التَّجرُّد يستطيع الانفلات من أسر هذه الدَّوائر، التي قد تضيق إلى أن تصبح قضيَّة شخصيَّة، أو تتَّسع لتصير حدثا إنسانيًّا (3).
هذا التَّدفُّق الشِّعري المناسباتي ليس دائمًا في صالح المسيرة الشِّعريَّة للشَّاعر، وبجدلية التَّجربة الشِّعريَّة وما يوازيها من ضروريات ومعطيات تمكُّنها من أن تضيف للإنتاج الشِّعري أو تترك بصمات خاصَّة، نوعية وفريدة في القصيدة.
(1) علي خذري: "شعريَّة الانتماء" دراسات في ديوان أغنيات النَّخيل لمحمد ناصر، مجلَّة الآداب واللُّغات، جامعة ورقلة، الجزائر، العدد الرَّابع، ماي 2005 م، ص 167.
(2) محمد ناصر: "الأعمال الشِّعريَّة الكاملة" ص 147.
(3) المصدر نفسه، ص 148.