الرؤية الإسلامية في كتابات الدكتور محمد صالح ناصر الأدبية والنقدية غنية دومان [دارسة عن الإباضية]

الإبداع الشِّعري عند محمد ناصر

الجزء ١ · صفحة ٩٣

هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنَّ المناسبة تتيح للشَّاعر وضعًا إبداعيًّا أفضل، فضغط الحدث بشحنه العاطفي المتأجِّج والمستمرِّ يؤدِّي إلى الخروج بالتَّجربة الشِّعريَّة الحقَّة، لذا فإنَّ القصيدة الجيِّدة فنيًّا، هي التي تحقِّق توازيًا جماليًّا بين حدود النَّصِّ وقيمة المناسبة التي قيل فيها، وهكذا جعل محمد ناصر من الشِّعر قيمة إنسانيَّة اجتماعيَّة أكثر منها قيمة أدبيَّة فنِّيَّة.

ألحان وأشجان هو عنوان الدِّيوان الثَّالث للشَّاعر، يضمُّ قصائد كتبها ما بين فبراير 1991 م حتَّى ماي 1993 م، بعضها في الجزائر، وبعضها الآخر في عمان، حيث التحق بالتَّدريس في معهد القضاء الشَّرعي، والوعظ والإرشاد منذ نوفمبر 1991 م، ولعلَّ الطَّابع الذي جمع هذه المجموعة المتكوِّنة من 18 قصيدة هو الطَّابع الذَّاتي الصَّارخ، إذ كان الشَّاعر تحت إلحاح الانفعالات والعواطف التي اعتصرته في هذه الأثناء حين تعرَّضت خلالها الأمَّة الإسلاميَّة إلى هزَّات عنيفة، ومن أجل ذلك تنقَّلت الانفعالات من الجزائر إلى فلسطين، إلى بغداد، إلى عُمَان، إلى سراييفو، إلى مكَّة، إلى المدينة، أحيانًا بدافع فردي شخصي، وأحيانًا بدافع جماعي أممي، وأحيانا استجابة لعاطفة أبويَّة؛ شوقا إلى الأهل والأبناء، وأخرى تنفيسًا عن أشجان دينيَّة؛ حزنًا على مصير المسلمين في البوسنة والهرسك، وقد يتحوَّل الأنين إلى حنين، والأشجان إلى ألحان، فيعبِّر الشَّاعر عن إعجابه الشَّديد بمنظر طبيعي خلَّاب في سلطنة عمان، وقد يكون في وقفة إجلال وخشوع أمام مرابع عالم عظيم مثّل الشِّيخ نور الدّين السّالمي (1) في بَديَة (2) *)، كما قد يتحوَّل إلى سبحات صوتيَّة، ونشوة روحيَّة في بقاع مكَّة الطَّاهرة أو طيبة الزَّاهرة (3).

هذه المجموعة الشِّعريَّة تنمُّ عن الحاجات الرُّوحيَّة الجديدة في نفسيَّة الشَّاعر، وتحويل الذَّات إلى موضوع التَّجربة الشِّعريَّة، فبعد أن غلبت المناسبة في ديوان في رحاب الله، حضرت الذَّات بتقلُّباتها وآلامها، بسخطها ورضاها، وألمها وأملها، وأنينها وحنينها. فهذه

(1) الشِّيخ نور الدِّين السَّالمي: أحد أئمَّة الإباضية بسلطنة عمان.

(2) (() منطقة بسلطنة عمان.

(3) ينظر محمد ناصر: "الأعمال الشِّعريَّة الكاملة"، ص 257 - 258.