الرؤية الإسلامية في كتابات الدكتور محمد صالح ناصر الأدبية والنقدية غنية دومان [دارسة عن الإباضية]

الإبداع الشِّعري عند محمد ناصر

الجزء ١ · صفحة ٩٤

المرَّة ليست غربة للدِّراسة في غمرة الشَّباب، إنَّها غربة للعمل والكدِّ في مرحلة عمريَّة صعبة، إنَّها الكهولة لذا أصبح بيننا وبين الشَّاعر بواسطة تلك الموضوعات والنَّماذج، شيء مشترك، يثير فينا -كما أثاره فيه- تجارب خاصَّة، لكنَّها متعدِّدة بتعدَّدنا نحن القرَّاء، ومتنوِّعة بتنوُّع تجاربنا، وهكذا أصبح كلٌّ منَّا شريكا للشَّاعر في استلهام المعنى، وترتيب عناصره، وتشكيل علاقاته وتمثُّل أبعاده (1).

يسعى الشَّاعر بوعي إلى إيجاد ملاءمة فنِّيَّة عالية المستوى بينها وبين خصوصية التَّجربة الحياتيَّة والشِّعريَّة بكلِّ ما تختزنه من تنوُّع وتعدُّد وتمظهر، لذا فإنَّ نضج التَّجربة بهذا المعنى يأتي من فاعلية الوعي بضرورة تحسين كفاءة الأداة الشَّعرية وتحديثها باستمرار، ومضاعفة وعي التَّشكيل بإجراءاته الفنِّيَّة والجماليَّة ذات البعد الإسلامي.

ويعدُّ ديوان الخافق الصَّادق حلقة مهمَّة في هذا النُّضج باتجاه تمثّل أكبر للتَّجربة ورغبة في إظهار وكشف مناطق جديدة فيها، فهو أضخم دواوين الشَّاعر وآخرها، يتكوَّن من 38 قصيدة تضمُّ موضوعات متعدِّدة، ومناسبات مختلفة، ولكن يضمُّها سلك واحد وهو سلك المشاعر الفيَّاضة، لذا أحببت تقديمها مرتَّبة حسب صدورها الزَّمني (2) هكذا يبيِّن شاعرنا الاختلاف والتَّنوُّع في موضوعات القصائد في آخر دواوينه الشِّعريَّة، مرتَّبة ترتيبًا زمانيًّا حسب صدورها في مقدِّمته لهذا الدِّيوان.

أمَّا الجديد في هذا الدِّيوان فإنَّه جاء بعد مقدِّمة الطَّبعة كلمة للدُّكتور مصطفى بن صالح باجو في حفل تكريم المؤلِّف بمسجد المنار بالحميز في 20 ماي 2004 م، بعث بها من مسقط (عمان) أحبَّ محمد ناصر نشرها تقديما لهذا الدِّيوان تقديرًا لصاحب الكلمة الهادفة، والأخوُّة الصَّادقة والتِّلميذ الوفيِّ (3).

تتيح لنا هذه القصائد التَّجوُّل في جنبات المجتمع البشري، فهي مشتركة لأنَّنا قد نقف في موقع الشَّاعر، فنرى الأزمة الوطنيَّة في قصيدة المخاض العسير، ونُحسُّ النِّفاق والذِّلَّة في

(1) عبد القادر الرِّباعي: "جماليَّات المعنى الشِّعري"، دار جرير للنَّشر والتَّوزيع، ط 1، 2009 م، ص 25.

(2) محمد ناصر: "الأعمال الشِّعريَّة الكاملة"، ص 337.

(3) محمد ناصر: "الأعمال الشِّعريَّة الكاملة"، ص 337.