الفاضل محمد بن يزيد المبرد

بسم الله الرحمن الرحيم وبه أستفتح

الجزء ١ · صفحة ٢

وأفضل ما قُصد له من العلوم كتاب الله - جل ذكره - والمعرفة بما حلّ فيه من حلاله وحرامه وأحكامه، وإعراب لفظه وتفسير غريبه. ويروى أن المأمون أمر معلّم الواثق - وقد سأله عما يعلّمه إياه - أن يعلّمه كتاب الله جل اسمه، وأن يقرئه عهدَ أردشير، ويحفّظه كتاب كليلة ودمنة.

وأفضل العلوم بعدُ علمُ اللغة وإعراب الكلام، فإن بذلك يُقرأ القرآن، وعليه تُروى الأخبار والأشعار، وبه يزين المرء كتابه، ويُحلّي لفظه، قال الله عز وجلّ: " بلسانٍ عربي مبين " . قال الشاعر:

النحو يُطلق من لسان الألكَنِ … والمرءَ تُعظمه إذا لم يلحَنِ

فإذا طلبتَ من العلوم أجلَّها … فأجلُّها منها مقيمُ الألسنِ

وقال صلى الله عليه وسلم: " أعربوا في كلامكم تعربوا في كتاب الله " .

وقال عمر بن الخطاب رحمة الله عليه: تعلّموا العربية تُحرزوا المروءة.

ولحن رجل بين يدي سليمان بن عبد الملك بعد أن فاوضه فوجده عاقلاً، فقال سليمان: زيادة عقل على منطقٍ هُجْنة، وزيادة منطقٍ على عقلٍ خدعة. وأحسنُ الأشياء ما شاكل بعضُه بعضاً.

وكان الصدر الأول من أصحاب رسول الله صلى الله عليه يعربون طبعاً، حتى خالطهم العجم ففسدت ألسنتهم، وتغيرت لغاتهم.

ويروى أن عمر بن عبد العزيز رأى قوماً من الفرس ينظرون في النحو فقال: لئن أصلحتموه لأنتم أول من أفسده.

ويروى أن رجلاً قال لبعض العلماء: أسألك عن شيء من الغريب، فقال: هو كلام القوم، وإنما أنت وأمثالك فيه غرباء.

وذُكر أن السبب الذي بُني له أبواب النحو وعليه أُصّلت أصوله أن ابنة أبي الأسود الدئلي قالت: يا أبتِ ما أشدُّ الحرِّ! قال: الحَصباء بالرَّمضاء. قالت: إنما تعجبتُ من شدته، قال: أوَ قد لحن الناس؟ فأخبر بذلك علياً - رحمة الله عليه - فأعطاه أصولاً بنى بها، وعمل بعده عليها، فأخذه عن أبي الأسود عنبسة بن مَعْدان المَهْري الذي يقال له عنبسة الفيل.

وأبو الأسود أول من نقد المصاحف. ثم أخذ النحو عن عنبسة ميمون الأقرن، ثم أخذه عن ميمون عبد الله بن أبي إسحق الحضرمي الذي يقول فيه الفرزدق:

فلو كان عبدُ الله مولىً هجوتُه … ولكنّ عبدَ الله مولى مواليا

ثم أخذه عنه عيسى بن عمر، وأخذه عن عيسى الخليلُ بن أحمد الفُرْهودي، ثم أخذه عن الخليل سيبويه - واسمع عمرو بن عثمان الحارثي - ثم أخذه عن سيبويه الأخفش، وهو سعيد بن مَسعدة المُجاشعي.

وأفضل ما في الإنسان المعبّر عن شأنه المبين لمعرفته لسانُه، وقال الشاعر:

لسانُ الفتى نِصفٌ ونصفٌ فؤادُه … فلم يبقَ إلاّ صورةُ اللحم والدم

وكائنْ ترى من صامتٍ لك مُعجِبٍ … زيادتُه أو نقصُه في التكلم

وقال الآخر:

وما المرءُ إلا الأصغرانِ لسانُه … ومعقولُه والجسمُ خلْقٌ مُصوَّرُ

فإن طُرّةٌ راقَتك يوماً فربما … أمرَّ مذاقُ العودِ والعودُ أخضرُ

وقال عمرو بن العاص: لسان المرء قطعةٌ من عقله، وظنه قطعة من علمه. وقيل: ما الإنسان لولا اللسان إلا بهيمة مهملة، أو صورة ممثَّلة. وقال علي رحمة الله عليه: المرء مخبوءٌ تحت لسانه.

وقال النمر بن تَوْلَب:

أعِذْني رَبِّ من حَصَرٍ وعيّ … ومن نفسٍ أعالجُها عِلاجا

وقال الآخر:

وما بي من عيٍّ ولا أنطق الخَنا … إذا جمعَ الأقوامَ في الخَطبِ مَحفِلُ

وقال أحيحة بن الجُلاح:

والصمتُ أحسنُ بالفتى … ما لم يكن عِيٌّ يَشينُهْ

والقولُ ذو خَطَلٍ إذا … ما لم يكن لُبٌّ يُعينُهْ

وبعد معرفة النحو علم الدين، والفقه والتفقه فيه، ومعرفة الحلال والحرام منه. وقيل للحسين: ما المروءة؟ قال: الدين المتوسط.

وقال له رجل: علِّمني ديناً وسُوطا، لا ذاهباً فَروطا، ولا ساقطاً هَبوطا. فقال: نعم، خير الأمور أوساطها. وأنشد أبو عبيدة:

لا تذهبنّ في الأمور فرَطا … وكن من الناس جميعاً وسَطا

٢ / ٣٨