الفاضل محمد بن يزيد المبرد

من الشعر

الجزء ١ · صفحة ٧

وقال: من كلامهم: " أحيا من ضب " . وذكروا أنه يعيش ثلاثمائة سنة. ويقال: الضب أطول الدواب ذَماءً إذا ذُبح وأبقاه، يعنون أنه لا يموت سريعاً. والذَّماء: النفس. ويقال: " أعقّ من ضب " ، وزعموا أنه كان يأكل أولاده.

ويقال: هذا بحر لا يغطغط، ولا يُنكَش، ولا يُنكَف، ولا يفتح ولا يدرَك غَورُه.

والغَرَب: كثرة الماء؛ يقال: غرِب البحر إذا تدفق ماؤه. ويقال: غرِبت معدتُه ورمَضت وذرِبت إذا فسدت من امتلائها.

وكان يقال - وهو الجاري في كلامهم - : الأسوَدان: التمر والماء، والأحمران: اللحم والنبيذ. وقالوا أيضاً: الأحامرة: اللحم والنبيذ والزعفران؛ وقال الأعشى:

إن الأحامرةَ الثلاثة أذهبتْ … مالي وكنتُ بها قديماً مُولَعا

الراح واللحم السمين وأطّلي … بالزعفران وقد أرُوح مولَّعا

ولقد شربتُ ثمانياً وثمانيا … وثمانَ عشرة واثنتين وأربعا

والأبيضان: الشحم واللبن. وقيل: اللبن والماء. والأصرمان: الذئب والغراب. والأهيمان: الجمل الهائج والسيل؛ وهما الأيهمان أيضاً. والأيهم: الرجل الذي لا عقل له ولا فهم، وهو الحجر الأسود الذي لا أثر فيه أيضاً. والأيهم: الذي لا عَلَم به. واليهماء: الفلاة الملساء، وهي القِرواح. وذهب منه الأطيبان: الطعام والنكاح. ووقع في الأهيغين: أي في الأكل والنكاح. والأصفران: الوَرْس والزعفران. والحجران: الذهب والفضة، وهما الحَبيبان. والفَتَيان: الليل والنهار، وهما المَلَوان، والأجدّان، والجديدان. والعصران: الغداة والعشي، وهما القُرّتان والبَردان والأبردان. والغاران: الفرج والفم، وكذلك الطرفان. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " إنه من حفظ طرفيه فله الجنة " . وذهب منه الأبيضان: شبابه وشحمه. وجاء في الحديث: " لا صلاة لمدافع الأخبثين " ، وهما البول والغائط.

وكانت أم الهيثم من أفصح من رأيت، وسمعتها تقول من كلامنا: لا ترضى الشانئة إلا بجَرْزة. والشانئة: المُبغضة، وهي التي لا ترضى ممن أبغضتْه إلا باستئصال؛ ومنه قيل: سيف جُراز للذي يقطع كلّ ما يمر به. ورجل جَروز: إذا قعد على الزاد فأفناه، وأنشدتني:

كانت عجوزاً خَبّة جَروزا … تأكل في مَقعَدها قَفيزا

تشرب حُبّاً وتبول كوزا … لا تنكحنّ بعدها عجوزا

ومنه الأرض الجَروز التي تأكل نبتها فلا تدفع منه شيئاً.

وسمعتها تقول: جاء فلان يضرب أصدرَيه وأزدرَيه وأسدرَيه، وينفض مِذْرَوَيه، أي هو فارغ، قال عنترة:

أحولي تنفُضُ آستُك مِذروَيْها … لتقتلني فهأنذا عُمارا

باب

من الشعر

أنشدني المازني لعبد الله بن الدُّمينة الخثعمي:

ولما لحقْنا بالحُمولِ ودونَها … خميصُ الحشا تُوهي القميصَ عواتقُهْ

قليلُ قذى العينين نعلم أنهُ … هو الموت إن لم تُلق عنا بوائقُه

عرضْنا فسلّمنا فسلّم كارهاً … علينا وتَبريحٌ من الغيظِ خانقُه

فسايرتُه مِقدارَ ميل وليتني … بكُرهي له ما دام حيّاً أرافقُه

فلما رأتْ أنْ لا وصالَ وأنهُ … مدى الصُّرم مضروبٌ علينا سرداقُه

رمتني بطرفٍ لو كَمِيّاً رمتْ به … لَبُلَّ نجيعاً نحرُه وبنائقُه

ولمعٍ بعينيها كأن وميضَه … وميضُ الحيا تُهدى لنجْدٍ شقائقُه

وقال توبة بن الحُمَيِّر في كلمة له:

لكل لقاء نلتقيه بَشاشة … وإن كان حولاً كل يوم أزورها

وكنتُ إذا ما جئتُ ليلى تبرقعَتْ … فقد رابني منها الغداةَ سُفورُها

وقد رابني منها صدودٌ رأيتُه … وإعراضُها عن حاجتي وبُسورها

ألا إنّ ليلى قد أجدَّ بُكورها … وزُمَّت غداة السبت للبينِ عيرُها

فما أمُّ سوداء المحاجر مُطْفِلٌ … بأحسنَ منها مُقلتَينِ تُديرها

وكنت إذا ما جئت قلت لها اسْلمي … فهل تر في قولي " اسلمي " ما يضيرها!

قوله: وكنت إذا ما جئت ليلى تبرقعَتْ؛ كان النساء إذا أنكحن أبرزن وجوههن ليُعلمْن أن لا سبيل إليهن؛ وكذلك قال:

وقد رابني منها الغداةَ سفورُها

وقال في هذه القصيدة:

وأُشرِفُ بالقور اليَفاع لعلّني … أرى نار ليلى أو يراني بصيرُها

حمامةَ بطن الواديين تَرنَّمي … سقاكِ من الغُرّ العِذاب مطيرها

٧ / ٣٨