وعظات موجزة وأبيات مستحسنة
الجزء ١ · صفحة ١٩وهذه رسالة نذكرها، فإذا استحسنا ألفاظها، واستغربنا معانيها، ووقفنا على إبلاغ عظاتها، وهي رسالة عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن من الحبس إلى أبي مسلم: بسم الله الرحمن الرحيم من الأسير في يديه، بغير ذنب إليه، ولا خلاف عليه. أما بعد؛ فإنك مستودَع ودائع، ومولى صنائع، فاذكر القصاص، واطلب الخلاص، وأنْبِهْ للفكر قلبك، واتق الله ربك، وآثر ما يلقاك غداً على ما لا يلقاك أبداً، فإنك لاقٍ ما سلّفت، غيرُ لاقٍ ما خلّفت، وفّقك الله لما يُنجيك، وآتاك شكر ما يوليك.
فخلى سبيل إخوته. ومات عبد الله في السجن، فعاقب الله أبا مسلم ببغيه وأسلمه بغدره، وأتاح له من قتله.
ويروى أن المنصور بعد قتله أبا مسلم خطب فقال بعد حمد الله والثناء عليه: أيها الناس، لا تخرجوا من أنس الطاعة إلى وحشة المعصية، ولا تُسِرّوا غش الأئمة، فإنه من غش إمامه أظهر الله سريرته في فلتات لسانه، وسقطات أفعاله، إنا لن نبخسكم حقكم، ولا نبخس الدين حقه عليكم، وأنه من نازعنا عُروة هذا القميص أوطأناه خبئ هذا العمل وأن أبا مسلم بايع لنا على أنه من نكث بنا فقد حل ماله ودمه، ثم نكث بنا، فحكمنا عليه لأنفسنا حُكمهُ على غيره لنا، ولم يمنعنا رعاية الحق له من إقامة الحق عليه فيه، والسلام. وفي قتله يقول أبو دلامة الأسدي:
أبا مجرمٍ ما غيّر الله نعمة … على عبده حتى يغيّرها العبدُ
أبا مجرمٍ خوّفتني القتلَ فانتحى … عليك بما خوّفتني الأسد الوَرْدُ
باب
مراث بليغة
وعظات موجزة وأبيات مستحسنة
أنشدني أبو محمد التوزي عن أبي عبيدة لأخت عمرو ذي الكلب ترثيه في كلمة وصفته فيها فأطنبت، وعددت فضائله فأكثرت، وذكرت عُظم فقده ومبلغ قدره في حياته وانحطاط كل فخر وذكر بعد موته، وهو:
يا من بمقتله زُهى الدهرُ … قد كان فيك تضاءل البدرُ
كنتَ المجير عليه تقهره … فإذا سطوت فقد سطا القهر
وإذا سكتّ فإنها عِدَة … وإذا نطقت تدفّق البحر
وإذا نظرت إلى أخي عدَمٍ … أثرى وزال بلحظك الفقر
وإذا رقدت فأنت منتبِهٌ … وإذا بدوتَ فوجهك البدر
والله لو بك لم أدَعْ أحدا … إلا قتلتُ لفاتني الوتر
ما زال يحسد بطن أرضك ظهرَها … إذا تمّ أمرك واستوى القدر
حتى حللتَ ببطنها فتقدّست … فاليوم يحسُد بطنَها الظهرُ
وهذا من أحسن المعاني وألطفها، ولها فيه أيضاً كلمة أولها:
سألتُ بعمروٍ أخي صَحْبَهُ … فأوحشني حين هابوا السؤالا
وقالوا تركناه في غارةٍ … بآية ما قد ورثنا النِّبالا
أتيح له نَمِرا أجبُلٍ … فنالا لعمرُك منه منالا
فأقسمُ يا عمرو لو نبَّهاك … إذن نبّها منك داءً عُضالا
إذن نبِّها ليثَ عِرِّيسةٍ … مفيداً مفيتاً نفوساً ومالا
وكان سببه وفاته أن النمر وثب عليه فقتله. وفي هذه القصيدة من حُرّ الكلام وصادق المدح قولها:
وخَرقٍ تجاوزتَ مجهوله … بوجناء حرفٍ تشكّى الكلالا
فكنتَ النهارَ به شمسُه … وكنت دُجى الليل فيه الهلالا
فما بلغتْ مدحتي لامرئ … يَزُمُّ الكُماة ويعطي النوالا
وينزل في غمرات الحروب … إذا كره المحجمون النزالا
ومما اخترناه منها قولها:
وخوفٍ وردت وثغر سددت … وعِلْج شددت عليه الحبالا
ومالٍ حويتَ وخيل حميت … وضيف قريت يخاف الوِكالا
وأبراد عصْب وخَطِّيَّةٍ … بنيت لقومك منها الظلالا
وقالت امرأة من بني أسد ترثي ابنها:
لنعم الفتى أضحى بأكناف حائلٍ … قِرىً للصفيح الأبيض والأسلَ السمرِ
لعمري لقد أُرْديتَ غير مُزَنَّدٍ … ولا مُغلقٍ بابَ السماحة بالعذر
فتى لم يزل مذ شدّ عقد إزاره … مُشيدَ مَعالٍ أو مقيماً على ثغرِ
فتى لم يكذِّب فعلُه نادباتِه … بما قلن فيه لا ولا المادح المُطْري
أرادوا ليُخفوا قبره عن عدوه … فطيب تراب القبر دل على القبر
فيقال إن هذا أرثى بيت قالته العرب.
وقال أحد المحسنين أيضاً:
وأخ رماني الدهر فيه بفقدِه … فالوجدُ من قلبي عليه دخيلُ