الفاضل محمد بن يزيد المبرد

الحلم والأناة

الجزء ١ · صفحة ٢٦

وحدثني التوزي قال: أنشد المفضّل قول اليشكري:

وكنتُ زُمَيْناً جارَ بيتٍ وصاحبا … ولكنّ قيساً في مسامعه صمَمْ

وأخبرني أبو عبيدة والأصمعي قالا: إنما هو زَمِيتاً أي قريباً.

وأخبرني الأصمعي وأصحابنا أن المفضّل أنشد قول البُرجُمي:

أفاطمَ إني هالكٌ فتبيّني … ولا تَجزَعي كلّ النساءِ يتيمُ

وقال المفضل: امرأة يتيم إذا مات زوجها، وغلام يتيم مات أبوه، واليُتْم في البهائم موتُ الأم. قال الأصمعي: وإنما هو: كل النساء تَئِيم أي تصير أيِّماً والأيِّم: التي لا زوج لها بكراً كانت أم ثيِّباً، والأيِّم عند العامة: الثيِّب.

وأخبرني الشيباني قال: سألت المفضل عن قول متمم بن نُوَيرة:

لَعَمري وما دهري بتأبين هالكٍ … ولا جَزَع مما أصاب فأوجعا

ما التأبين؟ قال: لا أدري. والتأبين: نُدبة الميت، وقال أبو زيد: أبّنتُ الميّت تأبيناً إذا بكيته بعد موته.

وحدثني الرياشي عن الأصمعي قال: ناظرني المفضّل عند عيسى بن جعفر فأخطأ أو صحّف، فجعل يصيح ويَشْغَب، فقلت له: أصِبْ، وليكن كلامُك كلامَ النَّمْل، لو صِحتَ إلى النشور ما نفعك.

وحدثني التوزي قال: شهدتُ الأصمعي فقرأ عليه رجل: ما في بعيري هاتّةٌ فجوّزها له، ومضى الرجل، فرددتُ على الرجل فقلت: إنما هي هانّةٌ، والهانّة الشّحم، فسكت الأصمعي وما أجابني بحرف.

قال: وشهدته أيضاً - وقرأ عليه رجل: ما سمعنا العام قابّةً - قال الأصمعي: يريد صوت الرعد، من القبيب، فقلت له: إنما قابّة قطرة من المطر، يقال: ما سمعنا العام قابّة، أي قطرة مطر - وكان كيسان، وابن أبي يحيى الغنوي حاضرين فوافقاني - فسكت الأصمعي.

وحدثني عن أبي عمرو الشيباني قال: كنا بالرَّقّة فأنشد الأصمعي:

عَنَنّا باطلاً وظلماً كما تُعْ … نَزُ عن حَجْرة الرَّبِيض الظِّباءُ

فقلت له: تُعْتَرُ من العَتيرة. والشعر للحارث بن حِلِّزة، وأصل ذلك أن العرب كانوا إذا بلغت إبل الرجل ألفاً فقئوا عين الفحل لتُدفع العين عنها، فهو المفقّأ يا فتى، وإذا زادت على الألف فقئوا العين الأخرى، فهو المعمّى. وفي ذلك يقول قائلهم:

فقأتُ لها عينَ الفحِيل تَعَيُّفا

ومن نذورهم: إذا بلغت إبلي كذا ذبحت كذا وكذا شاةً، ثم يقولون الظباء شاءٌ، فيذبحون مكان الشاة ظبية مما يصيدون، ويسمّونها العَتيرة، وحق ذلك أن يكون في رجب، فذلك قول الحارث بن حلّزة: عَنَنا باطلاً … البيت.

باب

نذكره من باب إحالتهم بالذنْب على غير المذنب. فمن ذلك أنهم كانوا إذا امتنعت البقرُ من ورود الماء ضربوا الثور حتى يَرِد وتَرِد بوروده، ففي ذلك يقول أنس بن مُدرك الخثعمي:

إني وقَتْلي سُلَيكاً ثم أعْقِلَه … كالثورِ يُضرب لمّا عافت البقرُ

وقال عوف بن عطية بن الخَرع:

تمنّت طيّئ جهلاً وجُبنا … وقد خاليتُهمْ فأبَوْا خِلائي

هجَوْني أن هجرتُ جبالَ سلمى … كضرب الثور للبقرِ الظِّماءِ

ويدخل في هذا الباب قصة صُحْر التي يُضرب بها المثل، وهي صُحر بنت لقمان بن عاد، وكان لقمان تزوج عدة نساء كلهن قد خانتْه في نفسه، فقتلهنّ، فلما قتل أُخراهن ونزل من الجبل كانت صُحر انته أول من لقيه، فقتلها، وقال: وأنت أيضاً امرأة، فضُرب بها المثل؛ قال خُفاف بن نَدْبة:

وعباسٌ يُدِبّ ليَ المنايا … وما أذنبتُ إلاّ ذنبَ صُحْرِ

وقال عروة بن أذينة:

أتجعل تهياماً بليلى إذا نأت … وهجراً لها ظُلماً كما ظُلمت صُحْرُ

قد ذكرنا من هذا الباب صدراً نخاف على قارئه الملال إن أطلناه، ونحذر من ضجر يلحقه إن أسهبنا فيه، ويكفي من القلادة ما أحاط بالعنق. ونعود إلى الأخبار، والأشعار يشبه بعضها بعضاً، وبالله التوفيق.

باب

الحِلم والأناة

يروى أن معاوية بن أبي سفيان كان أكثر الناس حِلماً، وأوسعهم عفواً، وأشدهم إغضاءً عمن نابذه، وأحسنهم احتمالاً لمن عازّه وعانده.

فمن ذلك أن لاجً أغلظ له في الكلام، فقيل له: يا أمير المؤمنين، أتحلم عن هذا وقد قال ما قال؟ قال معاوية: ما كنت لأحول بين الناي وبين ألسنتهم ما لم يحولوا بيننا وبين مُلكنا.

٢٦ / ٣٨