شعر وغريب ولغة
الجزء ١ · صفحة ٢٤وقال الطائي:
أرى أَلِفاتٍ قد كُتبْن على راسي … بأقلامِ شيب في صحائف أنْقاسي
فإن تسأليني من يَخُطُّ كتابَها … فكَفُّ الليالي تستمدُّ بأنْفاسي
جرَتْ في قلوب الغانيات لشَقْوتي … قُشَعْريرةٌ من بعد لِينٍ وإيناسِ
وقد كنتُ أجري في حشاهنّ مرّةً … مَجاري مَعينِ الماء في قُضُبِ الآسِ
وقال أبو العتاهية في مثل قوله:
فكفُّ الليالي تستمدُّ بأنفاسي
الشيبُ كُرهٌ وكُرهٌ أن يفارقني … أعْجِب بشيء على البغضاءِ مَودود
يمضي الشبابُ وقد يأتي له خلَفٌ … والشيب يذهب مفقوداً بمفقود
ومثله قول الآخر وهو علي بن محمد العلوي:
لعَمرُك للمَشيب عليّ مما … فقدتُ من الشباب أشدُّ فَوتا
تملَّيتُ الشباب فصار شيبا … وأبلَيتُ المشيبَ فصارَ مَوتا
وقال الحسن: الشباب الصحة، والسلطان المال، والعز الغنى عن الناس. وأنشدني مسعود بن بشر في مدح الشيب لكثيّر في عبد الملك بن مروان:
رأيتُ أبا الوليد غداةَ جَمْع … به شيبٌ وما فقد الشبابا
ولكنْ تحت ذاكَ الشيبِ حزم … إذا ما ظن أمْرض أو أصابا
وقال إبراهيم بن المهدي:
بقولون هل بعد الثلاثين ملعب … فقلت وهل قبل الثلاثين ملعب!
لقد جلَّ قدرُ الشيبِ إن كان كلّما … بدَتْ شَيبة يَعرى من اللهو مَرْكَب
وقال آخر:
ألقى عصاهُ وأرخى من عِمامته … وقال ضيفٌ فقلت الشيب قالَ أجَلْ
فقلتُ أخطأتَ دارَ الحيّ قال ألا … تمّت لك الأربعون الحول ثم نزَلْ
للهِ شيبٌ رمى قلبي بلَوعته … كأنما اعْتَمَّ منهُ مَفرِقي بجبَلْ
وأنشد إسحاق:
كان الشباب كخضاب فنصَلْ … واختاره الشيبُ محلاًّ فنزلْ
فأزعج الشيبُ الشبابَ فارتحَلْ … والشيبُ داءٌ قاتلٌ وإنْ مَطَلْ
ولأبي العتاهية:
يا خاضبَ الشيبِ بالحِنّاءِ تستُرَهُ … سلِ الملِيكَ له سِتراً من النارِ
لن يرحلَ الشيبُ عن دارٍ ألمَّ بها … حتى يُرحِّلَ عنها صاحبَ الدارِ
وكان الخضاب يستحب. وقد خضب أبو عبد الله الحسين بن علي صلوات الله عليهما. ويروى أن قائلاً قال للرضيّ: أأخضب؟ قال: نعم، بالحنّاء والخِطْر، ثم قال: أما علمت أن لك في ذلك أجراً؟ قال: وكيف؟ قال: ألا تعلم أنها تحب أن ترى منك مثل الذي تحب أن ترى منها؟ لقد خرج نساء من العفة ما أخرجهن إلا قلّة هيئة أزواجهن لهن. قال: وأنشد:
الشيبُ زهَّدَ فيكَ من تَصِلُ … ولقد جفا بكَ بعدَهُ الغزَلُ
ولذاك ما قالتْ لجارتها … هيهاتَ شيَّخَ بعدَنا الرجُلُ
قولي له يختارُ بي بدَلا … من حيثُ شاءَ فلي بهِ بدَلُ
وقال آخر:
رأينَ الغواني الشيبَ لاح بعارِضي … فأعرضْنَ عني بالخدود النواضرِ
وكنّ إذا أبصرنني أو سمعْنَ بي … سعَين فرقَّعْنَ الكُوى بالمحاجر
وقال محمد بن عبد الملك الزيات يشتكي مصابه ويذكر فجيعته ويبكي على زمانه:
عَرِيت من الشباب وكنتُ غَضّا … كما يعرى من الورق القضيبُ
ونُحْت على الشباب بدمع عيني … فما نفع البكاءُ ولا النحيبُ
فيا أسفا أسِفتُ على شباب … نفاه الشيبُ والرأسُ الخضيبُ
ألا ليت الشبابَ يعودُ يوما … فأخبرهُ بما فعل المشيبُ
باب
شعر وغريب ولغة
حدثني المازني عن أبي زيد الأنصاري قال: سمعت العرب تقول في أسماء الدواهي: لقيت منه البُرَحِين والبَرحِين والفِتَكْرين والفُتَكْرِين. قال: وحكيت لي الفِتْكَرِين ولم أسمعها من العرب، وأنشد:
قد كلَّفتْ راعيَها الفِتَكْرِين … إضمامةٌ من ذَودِنا الثلاثينْ
ولقيتُ منه الدهارس، واحدها دُِهْرُِس، وهي الدواهي. وقال الكلبي: الدهاريس، قال المتلمس:
حنّت إلى النخلة القصوى فقلت لها … بَسْلٌ حرامٌ ألا تلك الدهاريس
وقال أبو زيد: البَسْل الحرام، والبَسْل الحلال، وهو عندهم من الأضداد، قال ابن همام السِّلوليّ للنعمان بن بشير الأنصاري:
زيادتَنا نعمانُ لا تَحرِمَنَّنا … تقِ اللهَ فينا والكتابَ الذي تتلو