الفاضل محمد بن يزيد المبرد

شعر وغريب ولغة

الجزء ١ · صفحة ٢٤

وقال الطائي:

أرى أَلِفاتٍ قد كُتبْن على راسي … بأقلامِ شيب في صحائف أنْقاسي

فإن تسأليني من يَخُطُّ كتابَها … فكَفُّ الليالي تستمدُّ بأنْفاسي

جرَتْ في قلوب الغانيات لشَقْوتي … قُشَعْريرةٌ من بعد لِينٍ وإيناسِ

وقد كنتُ أجري في حشاهنّ مرّةً … مَجاري مَعينِ الماء في قُضُبِ الآسِ

وقال أبو العتاهية في مثل قوله:

فكفُّ الليالي تستمدُّ بأنفاسي

الشيبُ كُرهٌ وكُرهٌ أن يفارقني … أعْجِب بشيء على البغضاءِ مَودود

يمضي الشبابُ وقد يأتي له خلَفٌ … والشيب يذهب مفقوداً بمفقود

ومثله قول الآخر وهو علي بن محمد العلوي:

لعَمرُك للمَشيب عليّ مما … فقدتُ من الشباب أشدُّ فَوتا

تملَّيتُ الشباب فصار شيبا … وأبلَيتُ المشيبَ فصارَ مَوتا

وقال الحسن: الشباب الصحة، والسلطان المال، والعز الغنى عن الناس. وأنشدني مسعود بن بشر في مدح الشيب لكثيّر في عبد الملك بن مروان:

رأيتُ أبا الوليد غداةَ جَمْع … به شيبٌ وما فقد الشبابا

ولكنْ تحت ذاكَ الشيبِ حزم … إذا ما ظن أمْرض أو أصابا

وقال إبراهيم بن المهدي:

بقولون هل بعد الثلاثين ملعب … فقلت وهل قبل الثلاثين ملعب!

لقد جلَّ قدرُ الشيبِ إن كان كلّما … بدَتْ شَيبة يَعرى من اللهو مَرْكَب

وقال آخر:

ألقى عصاهُ وأرخى من عِمامته … وقال ضيفٌ فقلت الشيب قالَ أجَلْ

فقلتُ أخطأتَ دارَ الحيّ قال ألا … تمّت لك الأربعون الحول ثم نزَلْ

للهِ شيبٌ رمى قلبي بلَوعته … كأنما اعْتَمَّ منهُ مَفرِقي بجبَلْ

وأنشد إسحاق:

كان الشباب كخضاب فنصَلْ … واختاره الشيبُ محلاًّ فنزلْ

فأزعج الشيبُ الشبابَ فارتحَلْ … والشيبُ داءٌ قاتلٌ وإنْ مَطَلْ

ولأبي العتاهية:

يا خاضبَ الشيبِ بالحِنّاءِ تستُرَهُ … سلِ الملِيكَ له سِتراً من النارِ

لن يرحلَ الشيبُ عن دارٍ ألمَّ بها … حتى يُرحِّلَ عنها صاحبَ الدارِ

وكان الخضاب يستحب. وقد خضب أبو عبد الله الحسين بن علي صلوات الله عليهما. ويروى أن قائلاً قال للرضيّ: أأخضب؟ قال: نعم، بالحنّاء والخِطْر، ثم قال: أما علمت أن لك في ذلك أجراً؟ قال: وكيف؟ قال: ألا تعلم أنها تحب أن ترى منك مثل الذي تحب أن ترى منها؟ لقد خرج نساء من العفة ما أخرجهن إلا قلّة هيئة أزواجهن لهن. قال: وأنشد:

الشيبُ زهَّدَ فيكَ من تَصِلُ … ولقد جفا بكَ بعدَهُ الغزَلُ

ولذاك ما قالتْ لجارتها … هيهاتَ شيَّخَ بعدَنا الرجُلُ

قولي له يختارُ بي بدَلا … من حيثُ شاءَ فلي بهِ بدَلُ

وقال آخر:

رأينَ الغواني الشيبَ لاح بعارِضي … فأعرضْنَ عني بالخدود النواضرِ

وكنّ إذا أبصرنني أو سمعْنَ بي … سعَين فرقَّعْنَ الكُوى بالمحاجر

وقال محمد بن عبد الملك الزيات يشتكي مصابه ويذكر فجيعته ويبكي على زمانه:

عَرِيت من الشباب وكنتُ غَضّا … كما يعرى من الورق القضيبُ

ونُحْت على الشباب بدمع عيني … فما نفع البكاءُ ولا النحيبُ

فيا أسفا أسِفتُ على شباب … نفاه الشيبُ والرأسُ الخضيبُ

ألا ليت الشبابَ يعودُ يوما … فأخبرهُ بما فعل المشيبُ

باب

شعر وغريب ولغة

حدثني المازني عن أبي زيد الأنصاري قال: سمعت العرب تقول في أسماء الدواهي: لقيت منه البُرَحِين والبَرحِين والفِتَكْرين والفُتَكْرِين. قال: وحكيت لي الفِتْكَرِين ولم أسمعها من العرب، وأنشد:

قد كلَّفتْ راعيَها الفِتَكْرِين … إضمامةٌ من ذَودِنا الثلاثينْ

ولقيتُ منه الدهارس، واحدها دُِهْرُِس، وهي الدواهي. وقال الكلبي: الدهاريس، قال المتلمس:

حنّت إلى النخلة القصوى فقلت لها … بَسْلٌ حرامٌ ألا تلك الدهاريس

وقال أبو زيد: البَسْل الحرام، والبَسْل الحلال، وهو عندهم من الأضداد، قال ابن همام السِّلوليّ للنعمان بن بشير الأنصاري:

زيادتَنا نعمانُ لا تَحرِمَنَّنا … تقِ اللهَ فينا والكتابَ الذي تتلو

٢٤ / ٣٨