الشكر للصنائع
الجزء ١ · صفحة ٢٩وحدثني الرياشي قال: دخل عقيل بن أبي طالب على معاوية - وكان من أحضر الناس جواباً - فقال له معاوية: يا عَقيل، ما حال عمِّك أبي لهب؟ وأين مكانه من النار؟ فقال: إذا أنتَ دخلتَها فخذ على يسارك؛ فستجده مفترشاً عمّتكَ حمّالة الحطب؛ فأطرق معاوية.
ويروى أنه قال له يوماً: أيّما خير لك: أنا أم علي؟ فقال: ذاك خيرٌ لديني، وأنت خيرٌ لدنياي. وكان يُسبغ جائزته إذا وفد عليه.
وحدثني الزيادي قال: لما بنى معاوية الخُضَيراء دخل إليها ومعه عمرو بن العاص، فأخذ يفتح باباً باباً، ويقول: هذا اتخذناه لكذا، وهذا بنيناه لكذا، فرأى في بعض الأبنية غلاماً يفجُر بجارية من جواريه، فقال: وهذا اتخذناه ليفجُر فيه غلمانُنا بجوارينا، وحَلُم عن الغلام والجارية ولم يعاقبهما.
ويروى أن كسرى أنو شروان لما قتل بُزُرْجمهر بعث إلى ابنته، فلما بعث إليها غطّت رأسها، فقالت: هيبتي لك في وفاته، كهيبتي لك في حياته، وكذا كنتُ أفعل؛ فقال: اخطُبوها لي، فقالت: انظروا إلى ملِك يقتل وزيراً لا يجد له عوضاً، ويصيّر بينه وبين فِراشه موتورةً بأبيها! فدعا بجوهر فحشا به فاها.
ويروى أن رجلاً قال للرشيد: أني أريد أن أعظك وأُغلظ لك في القول، فقال الرشيد: يا هذا ليس ذلك لك، قد بعث اللهُ من هو خيرٌ منك إلى من هو شر مني، فأمره أن يقول له قولاً ليناً.
باب
الشكر للصنائع
يروى من غير وجه سمعنا أن علي بن أبي طالب رضوان الله عليه قال: لا يُزهِدَنّك في المعروف من لا يشكرك عليه، فقد شكرك عليه من لم يستمتع منك بشيء، وقد يُدرَك من شكر الشاكر أكثر مما أضاع منه الكافر. وكان من دعائه: الحمد لله أحمد ومعترفاً بالتقصير في شكره، وأستغفره طامعاً في عفوه، وأتوكل عليه فاقةً إلى كفايته. وكان يقول: لا تكوننّ كمن يعجِز عن شكر ما أوتي، ويطلب المزيد، يأمر الناس بما لا يأتي، يحب الصالحين ولا يعمل بأعمالهم، ويكره المسيئين وهو منهم، يكره الموت لكثرة ذنوبه، ولا يدعها في حياته. وجاء في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله عز وجل ليحمد العبد إذا قال الحمد لله " ، فلذلك قال محمود الوراق في هذا المعنى:
إذا كان شكري نعمةَ الله نعمةً … عليّ له في مثلِها يجب الشكرُ
فكيف بلوغُ الشكر إلاّ بفضله … وإن طالت الأيام واتصل العمرُ
إذا مُسّ بالسرّاء عمّ سرورُها … وإن مُسّ بالضراء أعقبَها الأجرُ
وما منهما إلا له فيه نعمةٌ … تضيق بها الأوهام والبرّ والبحرُ
فهذا معنى لطيف؛ يعني أن الله عز وجل لا يُحمد إلا بتوفيق يجب أن يحمد على توفيقه، ثم وجب في الحمد الثاني ما وجب في الحمد الأول، ثم إلى ما لا نهاية.
ويروى في الخبر أن داود عليه السلام قال: إلهي كيف لي أن أشكرك وأنا لا أصل إلى شكرك إلاّ بنعمتك! فأوحى الله عز وجل إليه: أن يا داود، ألست تعلم أن الذي بك من النِّعم هو مني! قال: بلى يا رب، قال: فإني أرضى بذلك منك شكراً.
فلو كان يستغني عن الشكر ماجد … لعزّةِ مجدٍ أو علوّ مكان
لما أمر الله العباد بشكره … فقال اشكروا لي أيها الثقلان
وكان يقال: كثرة الامتنان من النعم تهدم الصنيعة وتكدّر المعروف. وكان يقال: من كفر النعمة كتمانها من المنعَم عليه، ومن تكديرها إظهارها من المنعم. فعلى المنعم أن لا يمتنّ، وعلى المنعَم عليه أن لا يكفُر، وأنشد:
زاد معروفَك عندي عِظما … أنه عندك مستورٌ حقيرْ
تتناساه كأن لم تأته … وهو عند الله مشكور كبيرْ
وقال آخر:
لأشكرنّك معروفاً همَمْت به … إنّ اهتمامك بالمعروف معروف
ولا ألومك إن لم يُمضه قدَر … فالشيء بالقدر المجلوب مصروف
وكان معاوية يقول: من هَمّ بالمعروف ثم عجز عنه فقد وجب شكره، ويروى عن سليمان التيمي أنه قال: إن الله أنعم على العباد بقدر قدرته، وكلّفهم من الشكر بقدر طاقتهم. وشكر أعرابي رجلاً أَولاه جميلاً فقال له: لا ابتلاك الله ببلاء يعجز عنه صبرك، وأنعم عليك بنعمة يعجز عنها شكرك. وكان عمر بن عبد العزيز يقول: قيّدوا النعَم بالشكر، والعلم بالكتابة. وقالت هند بنة المهلّب: اغتنموا شكر النعمة قبل زوالها. وقال محمود الوراق: