الفاضل محمد بن يزيد المبرد

بسم الله الرحمن الرحيم

الجزء ١ · صفحة ٣

وعلى قدْر دين الرجل حُسن مُنقلبه، وعلى حسب سريرته منزلته من ربه. وإنما يُبين عن الناس أعمالهم، ويُلحقهم بالصُّلاّح آثارهم - واعتمدنا تأليف هذا الكتاب، والحثّ على طلب الأدب والترغيب فيه، والحض على الإكثار منه، فإن المستكثر من شيء، إن لم يدرك آخره ولم يأت على غابره استكثر من الصواب، واستقل من الخطأ، وتزيّن به عند الناس، واستتر به من لؤم الأصل، وإنما الإنسان بنفسه وابنُ خبره.

وقالت عائشة: كل لؤم دونه شرف فالشرف أولى به، وكل شرف دونه لؤم فاللؤم أولى به.

وقال الشاعر:

كن ابنَ من شئتَ واكتسب أدبا … يُغنيك محمودُه عن النسب

وكان بعض العلماء إذا سأل عن قال: أعصاميّ هو أم عظاميّ؟ أي أهو ممن يفخر بآبائه وسلفه وبمن قد مضى من أهله، وهو خال مما كانوا فيه، أم هو بنفسه، كما قال الشاعر:

نفسُ عصامٍ سوّدتْ عصاما … وعلّمته الكَرَّ والإقداما

وجعلْته مَلِكا هُماما

وسنذكر في كتابنا هذا أبواباً من كلام العرب وبعض ما روى عنها، ونثراً من أخبارها، ونفصل ذلك بأشعار وأخبار من قديم وحديث وما بينهما، ونقدّم العذر في تقصير إن وقع فيه أو خلل إن لزمه، فإنا ألفناه من غير خلوة به ولا تمييز لما تضمنه، ونسأل الله توفيقه وحُسن معونته، ونتوكل عليه ونسترشده، وبه الحول والقوة.

باب في

فضل الشعر

بسم الله الرحمن الرحيم

حدثني أبو الفضل العباس بن الفرج الرِّياشي قال: روى لنا أشياخنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يستحسن الشعر ويستنشده من أهله، ويُثيب عليه قائلَه. ثم يُروى أن شاعراً أنشده مدحاً في الله ومدحاً فيه، فأثابه على مدحه لله ولم يثبه على مدحه له.

وكان يتمثل بقول طرَفة: ويأتيك من لم تزوّد بالأخبار. لأن الشعر لم يجرِ قط على لسانه. وقال يوماً لأبي بكر رحمة الله عليه: كيف قال العباس بن مرداس: أتجعل نهبي ونهب العُبَيد بين الأقرع وعُيَينة؟ فقال أبو بكر: يا رسول الله صلى الله عليه: بين عُيينة والأقرع. قال: أليس هما سواء! وكان يستحسن:

ألا كلُّ شيءٍ ما خلا اللهَ باطلُ … وكلُّ نعيمٍ لا محالة زائلُ

وكان يقول: " إن من الشعر لحكمةً، وإن من البيان لسحراً " . وكان حسان بن ثابت شاعره. ويروى أنه أنشده في كلمة له يقول فيها:

لو لم تكن فيه آياتٌ مُبَيّنةٌ … كانت بُداهتُه تُنْبيك بالخبرِ

فأعجب بذلك، صلى الله عليه وسلم، وأثاب حساناً ودعا له.

ويروى أنه قيل لحسان بعد موت رسول الله عليه السلام: ما بالُك لا تَرثي رسول الله عليه السلام؟ قال: لأني أستقل كل شيء يجيئني فيه.

وروى أبو عبيدة قال: كان ابن عباس يقول: إذا أشكل عليكم الشيء من القرآن فارجعوا فيه إلى الشعر فإنه ديوان العرب. وكان يُسأل عن القرآن فينشد الشعر.

وسئل عن الزَّنيم، فقال: هو الدعيّ الملصّق، ألم تسمع إلى قول الشاعر:

زَنيمٌ تداعاه الرجالُ زيادةً … كما زيدَ في عرض الأديم الأكارع

وسئل عن قوله عز وجل: " والليلِ وما وَسق " . قال: وما جمع، ألم تسمع إلى قول الراجز:

إنّ لنا قَلائصاً حقائقا … مُسْتَوسَقاتٍ لو يجِدن سائقا

وكان يفسر قوله: " فإذا همْ بالساهِرة " . قال: بالأرض، ألم تسمع إلى قول أمية بن أبي الصلت الثقفي:

فذاك جزاءُ ما عملوا قديما … وكلٌّ بعد ذلكُم يدومُ

وفيها لحمُ ساهرةٍ وبحر … وما فاهوا به لهمُ مقيمُ

وتحدث عمر بن شَبّة قال: بينما ابن عباس في المسجد الحرام وعنده ناس من الخوارج وابن الأزرق يسائلونه إذ أقبل عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة فقال: أنشدنا، فأنشده:

أمن آل نُعم أنت غادٍ فمُبكِرُ … غَداةَ غدٍ أم رائحٌ فمُهَجِّرُ

حتى جاء على آخرها، فأقبل عليه ابن الأزرق فقال: تالله يا بن عباس، إنا نضرب إليك أكباد الإبل عن أقاصي البلاد لنسألك عن الحلال والحرام فتتثاقل علينا، ويأتيك مترفٌ من مترفي قريش فينشدك:

رأت رجلاً أيْما إذا الشمسُ عارضتْ … فيَخزى وأمّا بالعشيِّ فيخسرُ

فقال ابن عباس: ليس هكذا. قال: فكيف قال: فأنشده:

رأت رجلاً أمّا إذا الشمسُ عارضتُ … فيضحى وأما بالعشيِّ فيخصَرُ

٣ / ٣٨