نذكره في الجود والكرم
الجزء ١ · صفحة ٩بعينين لو أبدتهما ثم كلّمت … سحابَ الثرى لاستهلّ سحابُها
وأنشدني التوزي عن الأصمعي:
من ذا رسول ناصح فمبلغٌ … عني عُلَيّة غير قيلِ الكاذبِ
أني غرِضتُ إلى تناصُف وجهِها … غرَض المحب إلى الحبيب الغائب
قال الأصمعي: سألت عيسى بن عمر عن التناصف فقال: هو أن تكون العينان مثل الأنف في الحسن. قال ويقال: غرِضتُ إلى لقائك وجعت وعطشت، وإني إليك لأَصْوُر، وإلى إليك لمُلْتاح، وإني لأجادُ إلى لقائك. وقال:
وإني لأمضي الهمّ عنها تجمُّلا … وقلبي إلى أسماءَ عطشان جائعُ
وقال الأقرع بن معاذ:
سلام على من لا يُملُّ حديثُه … وإن عاشرتْه النفس عصراً إلى عصرِ
وما الشمسُ يوم الدجْن وافتْ فأشرقت … وما البدر وافى تِمّه ليلة البدر
بأحسن منها بل تزيد ملاحةً … بذي السَّرْح أو وادي المياه خيامُها
إذا ابتسمتْ في الليل والليلُ مظلم … أضاء دُجى الليل البهيم ابتسامُها
باب
نذكره في الجود والكرم
يروى من غير وجه: سمعنا أن عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب كان يقال له عبيد الله الجواد. حدثني علي بن القاسم الهاشمي قال: كانت سمات أربعة من ولد العباس: عبد الله الحِبْر، وعبيد الله الجواد، ومَعبد الشهيد، وقُثَم الشبيه؛ وتأويل ذلك أن قُثَم بن العباس كان كثير المشابهة برسول الله صلى الله عليه، وكان العباس يُرقِّصه ويقول:
أبا قُثَمْ أيا قُثَم … أيا شبيهَ ذي الكرمْ
شبيه ذي الأنف الأشمّ
صلى الله عليه. وحدثني المازني قال: قدم قوم على معاوية بالشام فقال: من أفقه من خلفت بالمدينة؟ فقال: عبد الله بن العباس. قال: فأسخاهم؟ قال: عبيد الله. قال: فأعبدهم؟ قال: معبد. ويروى أنه قيل لعبيد الله بن العباس: صف لنا أنفسَكم وبني أمية، قال: نحن أفصح وأسمح وأصبح، وبنو أمية أمكر وأنكر وأغدر. وفي خبر آخر: نحن أمجد وأجود وأنجد.
ويروى أن مولىً لبني أمية قال لمولى لبني هاشم: مواليّ أجودُ من مواليك، فقال الهاشمي: بل مواليّ والله، فهلم فسلْ عشرة من مواليك وأنتم السلطان، واسأل عشرة من مواليّ، فتحالفا وتعاقدا على ذلك، فانطلق الأموي فسأل عشرة من مواليه، فأعطاه كل واحد عشرة آلاف، وانطلق الهاشمي إلى عبيد الله بن العباس فسأله فأعطاه مائة ألف، وأتى الحسن بن علي فسأله فقال: سألت أحداً قبلي؟ قال: نعم، عبيد الله بن العباس. فقال: لو بي بدأت لكفيتك أن تسأل غيري. وأعطاه ثلاثين ومائة وألف. ثم أتى الحسين بن علي عليهما السلام. فسأله، فقال: هل سألت أحداً قبلي؟ قال: نعم، أخاك الحسن فأعطاني ثلاثين ومائة ألف، فقال الحسين: لا أتجاوز ما فعل سيدي، وأعطاه مثلها. قال: فانطلق الهاشمي من ثلاثة بثلثمائة ألف وستين، وأتى الأموي من عشرة بعشرة آلاف، فانصرف مغلوباً فردها على من أعطاه فقبلها، ورجع الهاشمي ليرد ما أخذه على من أعطاه، فكلهم قالوا بعد أن أبَوه قبولها: اذهب فألقها حيث شئت.
ويروى أن عبيد الله بن العباس خرج يريد معاوية ذات يوم فأصابه سماء، ونظر إلى نُوَيرة عن يمينه، فقال لغلامه: ملْ بنا إليه، فلما انتهى إذا رجل شيخ، وإذا هيئة رثّة ونَعَم مَهازيل، فقال له الشيخ: انزل فنزل، ودخل الشيخ على امرأته فقال: هَبي لي عنزك حتى أقضي بها ذِمام هذا الرجل، فقد توسمت فيه الخير، فإن يكن من مُضر فهو من بني عبد المطلب، وإن يكن من اليمن فهو من بني آكل المُرار. قالت: وقد عرفتَ حال صبيتيَّ هاتين وأن معيشتهما منهما وهما توءمتان، وأنا أتخوّف عليهما الموت، قال: موتُهما خير من اللؤم، فقبض على رِجل الشاة فاجترَّها إلى المذبح، وأخذ الشفرة بيمينه ثم قال:
قَرينتي لا تُوقظي ابنتَيّهْ … إن تُوقَظا تنتحبا عليّهْ
وتنزِعا الشفرةَ من يديَّهْ … أبغِضْ بهذا وبذا لديّهْ