لبشار بن برد
الجزء ١ · صفحة ١٠٥وقوله: " لو منعوني عقالاً لجاهدتهم عليه " على خلاف ما تتأوله العامة ولقول العامة وجهٌ قد يجوز، فأما الصحيح فإن المصدق إذا أخذ من الصدقة ما فيها ولم يأخذ ثمنها قيل: أخذ عقالاً، وإذا أخذ الثمن قيل: أخذ نقداً، قال الشاعر:
أتانا أبو الخطاب يضرب طبله … فرد ولم يأخذ عقالاً ولا نقدا
والذي تقوله العامة تأويله: لو منعوني ما يساوي عقالاً، فضلاً عن غيره وهذا وجه، والأول هو الصحيح، لأنه ليس عليهم عقال يعقل به البعير فيطلبه فيمنعه، ولكن مجازه في قول العامة ما ذكرنا.
ومن كلام العرب: أتانا بجفنةٍ يقعد عليها ثلاثةٌ، أي لو قعد عليها ثلاثة لصلح.
من أبيات للحطيئة
حين ارتد بعض العرب
وكان ارتداد من ارتد من العرب أن قالوا: نقيم الصلاة ولا نؤتي الزكاة، فمن ذلك قول الحطيئة:
ألا كل أرماح قصارٍ أذلةٍ … فداء لأرماحٍ نصبن على الغمر
فباست بني عبس وأستاه طيئٍ … وباست بني دودان حاشا بني نصر
أبوا غير ضربٍ يجثم الهام وقعه … وطعن كأفواه المزفتة الحمر
أطعنا رسول الله إذ كان بيننا … فيا لهفتا، ما بال دين أبي بكر!
أيورثها بكراً إذا مات بعده … فتلك وبيت الله قاصمة الظهر!
فقوموا ولا تعطوا اللئام مقادةً … وقوموا ولو كان القيام على الجمر
فدى لبني نصرٍ طريفي وتالدي … عشية ذادوا بالرماح أبا بكر
قوله: " يجثم الهام وقعه " ، إنما هو مثلٌ، يقال: جثم الطائر، كما يقال: برك الجمل، وربض البعير.
وكان قيس بن عاصم بن سنان بن خالد بن منقرٍ عاملاً على صدقات بني سعدٍ، فقسم ما كان في يده من أموال الصدقات على بني منقرٍ، وقال:
فمن مبلغ عني قريشاً رسالةً … إذا ما أتتها محكمات الودائع
حبوت بما صدقت في العام منقراً … وأيأست منها كل أطلس طامع
قوله: " فأجمع رأينا كلنا أصحاب محمد " ،فإنما خفض " كلا " على أنه توكيد لأسمائهم المضمرة، والظاهرة لا تكون بدلاً من المضمر الذي يعني به المتكلم نفسه، أو يعني به المخاطب.
لايجوز أن تقول مررت بي زيدٍ، لأن هذه الياء لا يشركه فيها شريك فتحتاج إلى التبيين، وكذلك لا يجوز: ضربتك زيداً، لأن المخاطب منفرد بهذه الكاف، فأما الهاء نحو مررت به عبد الله، فيجوز لأنا نحتاج إلى أن يعرفنا مبيناً: من صاحب الهاء؟ لأنها ليست للذي يخاطبه فلا ينكر نفسه، وإنما يحدث به عن غائب فيحتاج إلى البيان.
وقوله: " أصحاب محمد " اختصاص: وينتصب بفعل مضمر، وهو " أعني " ليبين من هؤلاء الجماعة، كما ينشد:
نحن بني ضبة أصحاب الجمل
أراد: نحن أصحاب الجمل، ثم عين من هم، لأن هذا قد كان يقع على من دون بني ضبة معه، وعلى من فوقها إلى مضر ونزار ومعد ومن بعدهم، وكذلك: نحن العرب أقرى الناس لضيف، ونحن الصعاليك لا طاقة لنا على المروءة.
ويختار من الشعر:
إنا بني منقر ذوو حسبٍ … فينا سراة بني سعد وناديها
وقليل هذا يدل عل جميع هذا الباب، فافهم.
الجزء الثاني
باب في المختار من أشعار المولدين
قال أبو العباس: هذه أشعار اخترناها من أشعار المولدين حكيمة مستحسنة.يحتاج إليها للتمثل،لأنها أشكل بالدهر،ويستعار من ألفاظها في المخاطبات والكتب.
لعبد الصمد بن المعذل
قال ابن المعذل:
تكلفني إذلال نفسي لعزها … وهان عليها أن أهان لتكرما
تقول سل المعروف يحيى بن أكثم … فقلت سليه رب يحيى بن أكثما
لبشار بن برد
وقال بشار بن برد يذكر عبيد الله بن قزعة، وهو أبو المغيرة أخو الملوي المتكلم، قال : وقال المازني لم أر اعلم من الملوي بالكلام، وكان من أصحاب إبراهيم النظام :
خليلي من كعب أعينا أخاكما … على دهره إن الكريم معين
ولا تبخلا بخل ابن قزعة إنه بخل ابن قزعة إنه … مخافة أن يرجى نداه حزين
كأن عبيد الله لم يلق ماجداً … ولم يدر أن المكرمات تكون