الكامل في اللغة والأدب محمد بن يزيد المبرد

حديث " ألا أخبركم بأحبكم إلي "

الجزء ١ · صفحة ١

الجزء الأول

باب

وصف رسول الله للأنصار

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للأنصار في كلام جرى: " إنكم لتكثرون عند الفزع، وتقلون عند الطمع " . الفزع في كلام العرب على وجهين: أحدهما ما تستعمله العامة تريد به الذعر، و الآخر الاستنجاد والاستصراخ، من ذلك قول سلامة بن جندل :

كنا إذا ما أتانا صارخٌ فزعٌ … كان الصراخ له قرع الظنابيب

يقول: إذا أتانا مستغيثٌ كانت إغاثته الجد في نصرته،يقال: قرع لذلك الأمر ظنبوبه إذا جد فيه ولم يفتر، ويشتق من هذا المعنى أن يقع " فزع " في معنى " أغاث " كما قال الكلحبة اليربوعي: " قال أبو الحسن: الكلحبة لقبه، واسمه هبيرة، وهو من بني عرين بن يربوع، والنسب إليه عريني، وكثير من الناس يقول: عرني ولا يدري، وعرينة من اليمن: قال جرير يهجو عرين بن يربوع:

عرين من عرينة ليس منا … برئت إلى عرينة من عرين

فقلت لكأسٍ ألجميها فإنما … حللت الكثيب من زرود لأفزعا

يقول: لأغيث. وكأس: اسم جارية، وإنما أمرها بإلجام فرسه ليغيث. والظنبوب: مقدم الساق.

حديث " ألا أخبركم بأحبكم إلي "

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ألا أخبركم بأحبكم إلي وأقربكم مني مجالس يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً، الموطأون أكنافاً،الذين يألفون و يؤلفون،ألا أخبركم بأبغضكم إلي و أبعدكم مني مجالس يوم القيامة " الثرثارون المتفيهقون " .

قوله صلى الله عليه وسلم " الموطأون أكنافاً " مثل، وحقيقته أن التوطئة هي التذليل و التمهيد، يقال: دابة وطيء، يا فتى، وهو الذي لا يحرك راكبه في مسيره، وفراش وطيء إذا كان وثيراً لا يؤذي جنب النائم عليه، فأراد القائل بقوله: " موطأ " الأكناف " أن ناحيته يتمكن فيها صاحبها غير مؤذى، ولا ناب به موضعه.

قال أبو العباس: حدثني العباس بن الفرج الرياشي قال: حدثني الأصمعي قال: قيل لأعرابي وهو المنتجع بن نبهان ما السميدع فقال " السيد الموطأ الأكناف.

وتأويل الأكناف الجوانب، يقال: في المثل: فلان في كنف فلان، كما فلان في ظل فلان، و في ذرى فلان، وفي ناحية فلان، وفي حيز فلان.

وقوله صلى الله عليه و سلم: " الثرثارون " يعني الذين يكثرون الكلام تكلفاً و تجاوزاً، و خروجاً عن الحق. وأصل هذه اللفظة من العين الواسعة من عيون الماء، يقال: عينٌ ثرثارةٌ. و كان يقال لنهرٍ بعينه: الثرثار، وإنما سمي به لكثرة مائه، قال الأخطل:

لعمري لقد لاقت سليمٌ و عامرٌ … على جانب الثرثار راغية البكر

قوله: " راغية البكر " أراد أن بكر ثمود رغا فيهم فأهلكوا،فضربته العرب مثلاً، و أكثرت فيه،قال علقمة بن عبدة الفحل:

رغا فوقهم سقب السماء فداحضٌ … بشكته لم يستلب و سليب

قال أبو الحسن: الداحض: الساقط والداحض أيضاٌ: الزا لق.

وكذلك إذا لم تضعف الثاء فقلت: عينٌ ثرةٌ، فإنما معناها غزيرة واسعة، قال عنترة:

جادت عليها كل عين ثرةٍ … فتركن كل حديقةٍ كالدرهم

قال أبو العباس: وليست الثرة عند النحويين البصريين من لفظة الثرثارة، ولكنها في معناها.

وقوله صلى الله عليه وسلم " المتفيهقون " إنما هو بمنزلة قوله: " الثرثارون " توكيد له، ومتفيهق متفيعل، من قولهم: فهق الغدير يفهق إذا امتلأ ماءٌ فلم يكن فيه موضع مزيد، كما قال الأعشى:

نفى الذم عن رهط المحلق جفنةٌ … كجابية الشيخ العراقي تفهق

كذا ينشده أهل البصرة، و تأويله عندهم أن العراقي إذا تمكن من الماء ملأ جابيته لأنه حضري فلا يعرف مواقع الماء ولا محاله.

قال أبو العباس: وسمعت أعرابية تنشد قال أبو الحسن: هي أم الهيثم الكلابية من ولد المحلق، وهي راوية أهل الكوفة: " كجابية السيح " تريد النهر الذي يجري على جانبية، فماؤها لا ينقطع، لأن النهر يمده.ومثل قول البصريين فيما ذكروا به " العراقي الشيخ " قول الشاعر قال أبو الحسن: هو ذو الرمة:

لها ذنب ضاف وذفرى أسيلة … وخد كمرآة الغريبة أسجح

يقول: إن الغريبة لا ناصح لها في وجهها، لبعدها عن أهلها، فمرآتها أبداً مجلوة، لفرط حاجتها إليها.

١ / ٣٣٦