الكامل في اللغة والأدب محمد بن يزيد المبرد

حين سمع أن قوما يفضلونه على أبي بكر

الجزء ١ · صفحة ١٠٤

ثم انحنى عليه عمر بالدرة، فسعى إلى ناقته فحل عقالها وأقبلها حرة بني سليم بأحث السير هرباٌ من الدرة، وهو يقول:

قد ضن عنها أبو حفص بنائله … وكل مختبط يوماٌ له ورق

مازال يضربني حتى خذ يت له … وحال من دون بعض الرغبة الشفق

ثم التفت إليها وهي حانية … مثل الرتاج إذا ما لزه الغلق

أقبلتها الخل من شوران مجتهداٌ … إني لأزري عليها وهي تنطلق

ويروى أنه كان يرمي المسلمين يوم الردة فلا يغني شيئاٌ، فجعل يقول:

ها إن رميي عنهم لمعبول … فلا صريح اليوم إلا المصقول

وقوله:

وكل مختبط يوماٌ له ورق

أصل هذا في الشجرة أن يختبطها الراعي.، وهو أن يضربها حتى يسقط ورقها، فضرب ذلك مثلاً لمن يطلب فضله، وقال زهير:

وليس مانع قربى وذي نسبٍ … يوماً ولا معدم من خابط ورقا

وقوله: " حتى خذيت له " . يقول: خضعت له، وأكثر ما تستعمل العامة هذه اللفظة بالزيادة.، تقول: استحذيت له. وزعم الأصمعي أنه شك فيها، وأنه أحب أن يستثبت، أهي مهموزة أم غير مهموزة ؟ قال: فقلت لأعرابي: أتقول: استحذيت أم استحذأت ؟ قال: لاأقولهما، قلت: ولم فقال: لأن العرب لاتستخذي. وهذا غير مهموز. واشتقاقه من قولهم: أذن خذواء وينمة خذواء، أي مسترخية. قال أبو الحسن: الينمة: نبت مسترخٍ على وجه الأرض تأكله الإبل فتكثر عنه ألبانها.

قال الأصمعي: وقلت لأعرابي: أتهمز الفارة ! قال: تهمزها الهرة.

وقوله: " إني لأزري عليها " ، يقول: أستحثها، يقال: زرى عليه: أي عاب عليه، وأزرى به أي قصر به، فيقول: إنها لمجتهدة، وإني لأزري عليها، أي أعيب عليها لطلبي النجاء والسرعة، وقال الأخطل:

فظل يفديها وظلت كأنها … عقاب دعاها جنح ليلٍ إلى وكر

وقوله: " ها إن رميي عنهم لمعبول " ، يقول: مخبول مردود. والصريح: المحض الخالص، يقال ذلك للبن إذا لم يشبه ماء، ويقال عربي صريح ومولى صريح، أي خالص.

خطبة لعمر بن الخطاب

حين سمع أن قوماٌ يفضلونه على أبي بكر

قال: وحدثني محمد بن إبراهيم الهاشمي في إسناد ذكره قال: بلغ عمر بن الخطاب رحمه الله أن قوماٌ يفضلونه على أبي بكر الصديق رحمه الله، فوثب مغضباٌ حتى صعد المنبر، فحمد الله وأثنىعليه، وصلى على نبيه صلى الله عليه وسلم ثم قال : أيها الناس، إني سأخبركم عني وعن أبي بكر، إنه لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم اردتدت العرب، ومنعت شاتها وبعيرها، فأجمع رأينا كلنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أن قلنا له: يا خليفة رسول الله، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقاتل العرب بالوحي والملائكة يمده الله بهم، وقد انقطع ذلك اليوم، فالزم بيتك ومسجدك، فإنه لاطاقة لك بقتال العرب. فقال أبو بكر الصديق: أو كلكم رأيه على هذا ؟ فقلنا: نعم فقال: والله لأن أخر من السماء فتخطفني الطير أحب إلي من أن يكون هذا رأيي ثم صعد المنبر، فحمد الله وكبره وصلى على نبيه صلى عليه وسلم، ثم أقبل على الناس فقال: أيها الناس، من كان يعبد محمداٌ فإن محمداٌ قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لايموت. أيها الناس، أإن كثر أعداؤكم، وقل عددكم، ركب الشيطان منكم هذا المركب؟ والله ليظهرن الله هذا الدين على الأديان كلها ولو كره المشركون. قوله الحق، ووعده الصدق، " بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهقٌ " الأنبياء18، و " كم من فئة قليلةٍ غلبت فئة كثيرة بإذن الله و الله مع الصابرين " البقرة 249. والله أيها الناس. لو أفردت من جميعكم لجاهدتهم في حق جهاده حتى أبلي بنفسي عذراً أو أقتل قتيلاً، والله أيها الناس لو منعوني عقالاً لجاهدتهم عليه، واستعنت عليهم الله وهو خير معينٍ.

ثم نزل فجاهد في الله حق جهاده حتى أذعنت العرب بالحق .

قوله: " كم من فئة " فهي الجماعة، وهي مهموزة، وتخفيف الهمز في هذا الموضع أن تقلب الهمزة ياءً، وإن كانت قبلها ضمة وهي مفتوحة قلبتها واواً نحو جؤنٍ تقول جونٌ.

١٠٤ / ٣٣٦