بكر بن النظاح يمدح مالك بن علي الخزاعي
الجزء ١ · صفحة ١٩٢وقال آخر قال أبو الحسن: هو أبو العباس المبرد:
إن النموم أغطي دونه خبري … وليس لي حيلةٌ في مفتري الكذبِ
وقال بعض المحدثين:
كتمت الهوى حتى إذا نطقت به … بوادر من دمعِ يسيل على خدي
وشاع الذي أضمرت من غير منطقٍ … كأن ضمير القلب يرشح من جلدي
وقال جميل بن عبد الله بن معمرِ العذري:
إذا جاوز الإثنين سرٌ فإنه … بنث وإفشاءِ الحديث قمينُ
وتأويل قمين، وحقيقٍ، وجدير، وخليق، واحدٌ، أي قريب من ذاك، هذا حقيقتُه، يقال: قمينٌ،وقمنٌ، في معنى. قال الحادرث بن خالدٍ المخزومي:
من كان يسال عنا أين منزلنا … فالأقحوانة منا منزلٌ قمنُ
وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من باع داراً أو عقاراً فلم يردد ثمنه في مثله فذلك مالٌ قمنٌ ألا يبارك فيه " .
وقال الرقاشي:
إذا نحن خفنا الكاشحين فلم نطق … كلاماً تكلمنا بأعيننا سرا
فنقضي ولم يعلم بنا كل حاجةٍ … ولم نكشف النجوى ولم نهتك السترا
وقال معاوية لعباس بن صحار العبدي: ما أقرب الاختصار؟ فقال لمحة دالةٌ.
وقيل: خيرُ الكلام ما أغنى اختصاره عن إكثاره.
وقيل: النمام سهم قاتلُ وقال أحد المحدثين:
لا أكتم الأسرار لكن أذيعها … ولا أدع الأسرار تغلي على قلبي
وإن قليل العقلِ من باتَ ليلةً … تقلبه الأسرارُ جنباً على جنبِ
وقال آخر:
ومنع جارتي من كل خيرٍ … وأمشي بالنميمةِ بين صحبي
ويقال للنمام: القتات.
وفي حديثٍ: " لا يراح القتاتُ رائحةَ الجنةِ " .
وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم. " لعن الله المثلث " فقيل: يا رسول الله، ومن المثلث؟ فقال: " الذي يسعى بصاحبه إلى سلطانه، فيهلك نفسه وصاحبه وسلطانه " .
وقال معاوية للأحنف في شيءٍ بلغه عنه، فأنكر ذلك الأحنف، فقال له معاوية: بلغني عنك الثقة، فقال له الأحنف: يا أمير المؤمنين، إن الثقة لا يبلغُ.
وقال أحد الماضين:
إن يسمعوا الخير يخفوه وإن سمعوا … شرا أُذيعَ، وإن لم يسمعوا كذبوا
وقال المهلب بن أبي صفرة: أدنى أخلاق الشريف كتمانُ السرِّ وأعلى أخلاق نسينث ما أسر إليه.
ويقال للنكاح: السرُّ؛ على غير وجه وهذا ليس من الباب الذي كنا فيه، ولكني ذكر الشيء بالشيء، وهذا حرف يغلط فيه، لأن قوماً يجعلون السرَّ الزنا، وقومٌ يجعلونه الغشيانَ، وكلا القولين خطأَ، إنما هو الغشيانُ من غير وجهه. قال الله جلَّ وعزّ: " لا تواعدوهن سراً إلا أن تقولا قولاً معروفاً " البقرة: 235، فليس هذا موضع الزنا.
وقال الحطيئة:
ويحرم سرُّ جارتهم عليهم … ويأكل جارهم أنف القصاعِ
وقال الأعشى لسلامة ذي فائشٍ الحميري:
وقومك إن يضمنوا جارةً … وكانوا بموضِعِ أنضادها
فلن يطلبوا سرها للغنى … ولن يسلموها لإزهادها
في هذا قولان: أحدهما أنهم لا يطلبون اجترارها إليهم على رغم أوليائها منأجل ماله، غضباً للجوار، ولا يسلمونها إذا انقطع رجاؤهم من الثواب والمكافأة.
والآخر أنهم لا يرغبون في ذوات الأموال؛ إنما يرغبون في ذواتِ الأحساب؛ اختيارً للأولاد، وصيانةً للأصهار، أن يطمع فيهم من لا حسب له.
وقوله الحطيئة:
ويأكل جارهم أنفَ القصاعِ
إنما يريد المستأنف الذي لم يؤكل قبل منه شيء؛ يقال: روضةٌ أنف؛ إذا لم ترعَ، وكأسٌ أنف، إذا لم يشرب منها شيء قبل، قال لقيط بن زرارة:
إن الشواءَ والنشيلَ والرغفْ … والقينة الحسناءَ والكاس الأنفْ
للطاعنين الخيل والخيل خنفْ
الجزء الثالث
باب
قال أبو العباس: وهذا باب اشترطنا أن نخرج فيه من حزن إلى سهل ومن جد إلى هزل، ليستريح القارئ، ويدفع عن مستمعه الملال. ونحن ذاكرون ذلك إن شاء الله.
بكر بن النظاح يمدح مالك بن علي الخزاعي
قال بكر بن النطاح في كلمة يمدح فيها مالك بن علي الخزاعي:
عرضت عليها ما أرادت من المنى … لترضى، فقالت قم فجئنا بكوكب
فقلت لها هذا التعنت كله … كمن يتشهى لحم عنقاء مغرب