الكامل في اللغة والأدب محمد بن يزيد المبرد

في اختصار الخطب والتحميد والمواعظ

الجزء ١ · صفحة ٣٠١

وفي القرآن: " قل أرءيتم إن أصبح ماؤكم غوراً " " الملك: 30 " أي غائراً، وقد مضى تفسير هذا بأكثر من هذا الشرح، ولو قال: ويسمي ليله غير نائم لجاز: يصير اسمه في يمسي، ويجعل ليله ابتداء، وغير نائم خبره على السعة التي ذكرنا.

وقوله: غموس يريد واسعة محيطة. والعنبري بن سالم رجل منهم كان يقال له الأشدق. واللطائم: واحدتها: لطيمة، وهي الإبل التي تحمل البز والعطر. وقوله: توقد في أيديهم زاعبية يعني الرماح، والتوقد للأسنة، والزاعبية منسوبة إلى زاعب، وهو رجل من الخزرج كان يعمل الرماح. وتفري: تقد، يقال فرى إذا قطع، وأفرى إذا أصلح.

وقال حبيب بن عوف من قواد المهلب:

أبا سعيد جزاك الله صالحة … فقد كفيت ولم تعنف على أحد

داويت بالحلم أهل الجهل فانقمعوا … وكنت كالوالد الحاني على الولد

وقال عبيدة بن هلال في هربهم مع قطري:

ما زالت الأقدار حتى قذفنني … بقومس بين الفرخان وصول

ويروى أن قاضي قطري، وهو رجل من بني عبد القيس، سمع قول عبيدة بن هلال:

علا فوق عرش فوق سبع ودونه … سماء ترى الأرواح من دونها تجري

فقال له العبدي: كفرت إلا أن تأتي بمخرج، قال: نعم، روح المؤمن تعرج إلى السماء، قال: صدقت. وقال يذكر رجلاً منهم:

يطوي وترفعه الرياح كأنه … شلو تنشب في مخالب ضار

فثوى صريعاً والرماح تنوشه … إن الشراة قصيرة الأعمار

تنوشه: تأخذه وتتناوله، قال الله عز وجل: " وأنى لهم التناوش من مكان بعيد " " سبأ: 52 " أي التناول. ومثل بيته هذا قول حبيب الطائي:

فيم الشماتة إعلاناً بأسد وغى … أفناهم الصبر إذ أبقاكم الجزع

وقال أيضاً في شبيه بهذا المعنى:

إن ينتحل حدثان الموت أنفسكم … ويسلم الناس بين الحوض والعطن

فالماء ليس عجيباً أن أعذبه … يفنى ويمتد عمر الآجن الأسن

وقالأيضاً:

عليك سلام الله وقفاً فإنني … رأيت الكريم الحر ليس له عمر

وقال القاسم بن عيسى:

أحبك يا جنان فأنت مني … مكان الروح من بدن الجبان

ولو أني أقول كان روحي … لخفت عليك بادرة الزمان

لإقدامي إذا ما الحرب جاشت … وهاب حماتها حر الطعان

وقال معاوية بن أبي سفيان في خلاف هذا المعنى:

أكان الجبان يرى أنه … يدافع عنه الفرار الأجل

فقد تدرك الحادثات الجبان … ويسلم منها الشجاع البطل

رجع الحديث: وقال رجل من عبد القيس من أصحاب المهلب:

سائل بنا عمرو القنا وجنوده … وأبا نعامة سيد الكفار

أبو نعامة: قطري.

وقال المغيرة بن حبناء الحنظلي من أصحاب المهلب:

إني امرؤ كفني ربي وأكرمني … عن الأمور التي في رعيها وخم

وإنما أنا إنسان أعيش كما … عاشت رجال وعاشت قبلها أمم

ما عاقني عن قفول الجند إذ قفلوا … عني بما صنعوا عجز ولا بكم

ولو أردت قفولاً ما تجهمني … إذن الأمير ولا الكتاب إذ رقموا

إن المهلب إن أشتق لرؤيته … أو أمتدحه فإن الناس قد علموا

أن الأريب الذي ترجى نوافله … والمستعان الذي تجلى به الظلم

القائل الفاعل الميمون طائره … أبو سعيد إذا ما عدت النعم

أزمان أزمان إذ عض الحديد بهم … وإذ تمنى رجال أنهم هزموا

قال أبو العباس: وهذا الكتاب لم نبتدئه لتتصل فيه أخبار الخوارج ولكن ربما اتصل الشيء بالشيء، والحديث ذو شجون، ويقترح المقترح ما يفسخ به عزم صاحب الكتاب، ويصده عن سننه، ويزيله عن طريقه.

ونحن راجعون إن شاء الله إلى ما ابتدأ له هذا الكتاب، فإن مر من أخبار الخوارج شيء مر كما مر غيره ولو نسقناه على ما جرى من ذكرهم لكان الذي يلي هذا خبر نجدة، وأبي فديك، وعمارة الرجل الطويل، وشبيب، ولكان يكون الكتاب للخوارج مخلصاً.

الجزء الرابع

بسم الله الرحمن الرحيم

باب

في اختصار الخطب والتحميد والمواعظ

٣٠١ / ٣٣٦