والرسائل التي دارت بينهما
الجزء ١ · صفحة ٢٦٤ولم يزالوا على رأي واحد، يتولون أهل النهر ومرداساً ومن خرج معه، حتى جاء مولى لبني هاشم إلى نافع، فقل له: إن أطفال المشركين في النار، وإن من خالفنا مشرك، فدماء هؤلاء الأطفال لنا حلال، قال له نافع: كفرت وأحللت بنفسك ، قال له: إن لم آتك بهذا من كتاب الله فاقتلني، " وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجراً أو كفاراً " " نوح: 26 - 27 " ، فهذا أمر الكافرين وأمر أطفالهم. فشهد نافع أنهم جميعاً في النار، ورأى تناكحهم، ولا توارثهم، ومتى جاء منهم جاء فعلينا أن نمتحنه، وهم ككفار العرب، لا نقبل منهم إلا الإسلام أو السيف، والقعد بمنزلتهم، والتقية لا تحل، فإن الله تعالى يقول: " إذا فرق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية " " النساء: 77 " ، وقال عز وجل فيمن كان على خلافهم: " يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم " " المائدة: 54 " . فنفر جماعة من الخوارج عنه، منهم نجدة بن عامر، واحتج عليه بقول الله عز وجل: " إلا أن مؤمن من ءال فرعون يكتم إيمانه " " غافر: 28 " ، فالقعد منا، والجهاد إذا أمكن أفضل، لقوله جل وعز: " وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً " " النساء: 95 " .
ثم مضى نجدة بأصحابه إلى اليمامة وتفرقوا في البلدان.
فلما تتابع نافع في رأيه وخالف أصحابه، وكان أبو طالوت سالم بن مطر بالخضارم في جماعة قد بايعوه، فلما انخزل نجدة خلعوا أبا طالوت، وصاروا إلى نجدة فبايعوه، ولقي نجدة وأصحابه قوماً من الخوارج بالعرمة والعرمة كالسكر ، وجمعها عرم، وفي القرآن المجيد: " فأرسلنا عليهم سيل العرم " " سبأ: 16 " ، وقل النابغة الجعدي:
من سبأ الحاضرين مأرب إذ … يبنون من دون سيله العرما
فقال لهم أصحاب نجدة: إن نافعاً قد أكفر القعد ورأى الاستعراض، وقتل الأطفال، فانصرفوا مع نجدة، فلما صار باليمامة كتاب إلى نافع: " بسم الله الرحمن الرحيم " ، أما بعد: فإن عهدي بك وأنت لليتيم كالأب الرحيم، وللضعيف كالأخ البر، لا تأخذك في الله لومة لائم، ولا ترى معونة ظالم، كذلك كنت أنت وأصحابك. أما تذكر قولك: لو لا أني أعلم أن للإمام العادل مثل أجر جميع رعيته ما توليت أمر رجلين من المسلمين؟ فلما شريت نفسك في طاعة ربك ابتغاء رضوانه، وأصبت من الحق فصه، وركبت مره، تجرد لك الشيطان، ولم يكن أحد أثقل عليه وطأة منك ومن أصحابك، فاستمالك واستهواك واستغواك وأغواك، فغويت فأكفرت الذين عذرهم الله في كتابه من قعد المسلمين وضعفتهم، فقال جل ثناؤه، وقوله الحق ووعده الصدق: " ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفون حرج إذا نصحوا لله ورسوله " " التوبة: 91 " . ثم سماهم أحسن الأسماء، فقال: " ما على المحسنين من سبيل " " التوبة: 91 " . ثم استحللت قتل الأطفال، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتلهم، وقال الله عز ذكره: " ولا تزر وازرة وزر أخرى " " الأنعام: 164 " وقال في القعد خيراً، وفضل الله من جاهد عليهم. ولا يدفع منزلة أكثر الناس عملاً منزلة من هو دونه، أو ما سمعت قوله عز وجل: " لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر " " النساء: 95 " ، فجعلهم الله من المؤمنين، وفضل عليهم المجاهدين بأعمالهم، ورأيت ألا تؤدي الأمانة إلى من خالفك، والله يأمر أن تؤدى الأمانات إلى أهلها، فاتق الله وانظر لنفسك، واتق يوماً: " لا يجزى والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئاً " " لقمان: 33 " ، فإن الله عز ذكره بالمرصاد، وحكمه العدل، وقوله الفصل، والسلام.
فكتب إليه نافع: " بسم الله الرحمن الرحيم " ، أما بعد، فقد أتاني كتابك تعظني فيه وتذكرني، وتنصح لي وتزجرني، وتصف ما كنت عليه من الحق، وما كنت أوثره من الصواب، وأنا أسأل الله جل وعز أن يجعلني من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وعبت علي ما دنت به من إكفار القعد وقتل الأطفال واستحلال الأمانة، فسأفسر لك لم ذلك إن شاء الله.