الكامل في اللغة والأدب محمد بن يزيد المبرد

عبد الملك بن مروان ورجل من الخوارج

الجزء ١ · صفحة ٢٤٨

ولا قرب نعم إن دنت لك نافع … ولا نأيها يسلي ولا أنت تصبر

وأخرى أتت من دون نعم ومثلها … ونهى ذا النهى لو يرعوي أو يفكر

إذا زرت نعماً لم يزل ذ قرابة … لها كلما لاقيته يتنمر

عزيز عليه أن أمر ببابها … مسر لي الشحناء والبغض مظهر

ألكني إليها بالسلام فإنه … يشهر إلمامي بها وينكر

بآية ما قالت غداة لقيتها … بمدفع أكنان أهذا المشهر!

قفي فانظري يا أسم هل تعرفينه … أهذا المغيري الذي كان يذكر!

فقالت: نعم، لا شك غير لونه … سرى الليل يحيي نصه والتهجر

لئن كان إياه لقد حل بعدنا … عن العهد، والإنسان قد يتغير

رأت رجلاً أما إذا الشمس عارضت … فيضحى وأما بالعشي فيخصر

حتى أتمها، وهي ثمانون بيتاً، فقال له ابن الأزرق: لله أنت يا ابن عباس! أنضرب إليك أكباد الإبل نسألك عن الدين فتعرض، ويأتيك غلام من قريش فينشدك سفهاً فتسمعه! فقال: تالله ما سمعت سفهاً، فال ابن الأزرق: أما أنشدك:

رأت رجلاً أما إذا الشمس عارضت … فيخزى وأما بالعشي فيخسر

فقال: ما هكذا قال، إنما قال فيضحى وأما بالعشي فيخصر قال: أو تحفظ الذي قال؟ قال: والله ما سمعتها إلا ساعتي هذه، ولو شئت أن أردها لرددتها، قال: فارددها، فأنشده إياها كلها .

وروى الزبيريون أن نافعاً قال له: ما رأيت أروى منك قط. فقال له ابن عباس: ما رأيت أروى من عمر، ولا أعلم من علي.

وقوله: فيضحى يقول: يظهر للشمس، ويخصر، يقول: في البردن ، فإذا ذكر العشي فقد دل على عقيب العشي، قال الله تبارك وتعالى: " وأنك لا تظمؤا فيها ولا تضحى " " طه: 119 " ، والضح: الشمس، وليس من: ضحيت، يقال: جاء فلان بالضح والريح يراد به الكثرة، قال علقمة:

أغر أبرزه للضح راقبه … مقلد قضب الريحان مفغوم

له فغمة، أي رائحة طيبة، يعني إبريقاً فيه شراب؛ وفي الحديث: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما توجه إلى تبوك جاء أبو خيثمة، وكانت له امرأتان، وقد أعدت كل واحدة منهما من طيب ثمر بستانه، ومهدت له في ظل، فقال: أظل ممدود، وثمرة طيبة، وماء بارد، وامرأة حسناء، ورسول الله في الضح والريح! ما هذا بخير! فركب ناقته ومضى في أثره، وقد قيل لرسول الله في نفر تخلفوا، أبو خيثمة أحدهم، فجعل لا يذكر له أحد منهم إلا قال: دعوه فإن يرد الله به خيراً يلحقه بكم، فقيل ذات يوم: يا رسول الله، ترى رجلاً يرفعه الآل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كن أبا خيثمة " ، فكانه.

وإذا انبسطت الشمس فهو الضحى مقصور، فإذا امتد النهار وبينهما مقدار ساعة أو نحو ذلك فذلك الضحاء، ممدود مفتوح الأول.

الحجاج وامرأة من الخوارج

وذكرت الرواة أن الحجاج أتي بامرأة من الخوارج، وبحضرته يزيد بن أبي مسلم مولاه، وكان يستسر برأي الخوارج، فكلم الحجاج المرأة فأعرضت عنه، فقال لها يزيد بن أبي مسلم: الأمير، ويلك، يكلمك! فقالت: بل الويل والله لك يا فاسق الردي.

والردي عند الخوارج: هو الذي يعلم الحق من قولهم ويكتمه.

عبد الملك بن مروان ورجل من الخوارج

وذكروا أن عبد الملك بن مروان أتي برجل منهم فبحثه فرأى منه ما شاء فهماً ثم بحثه، فرأى ما شاء إبراً ودهياً ، فرغب فيه، فاستدعاه إلى الرجوع عن مذهبه، فرآه مستبصراً محققاً، فزاده في الإستدعاء فقال له: لتغنك الأولى عن الثانية، وقد قلت فسمعت، فاسمع أقل، قال له: قل. فجعل يبسط له من قول الخوارج ويزين له مذهبهم بلسان طلق وألفاظ بينة ومعان قريبة، فقال عبد الملك بعد ذلك على معرفته: لقد كان يوقع في خاطري أن الجنة خلقت لهم، وأنا أولى بالجهاد منهم. ثم رجعت إلى ما ثبت الله علي من الحجة وقرر في قلبي من الحق. فقلت له: لله الآخرة والدنيا، وقد سلطنا الله في الدنيا، ومكن لنا فيها، وأراك لست تجيب بالقبول ، والله لأقتلنك إن لم تطع.

فأنا في ذلك إذ دخل علي بابني مروان.

٢٤٨ / ٣٣٦