تولية المهلب لقتال الخوارج وأخباره معهم
الجزء ١ · صفحة ٢٧٣فحمل جماعة منهم على الإسكاف، فقاتلهم وحده فارساً، ثم كبا به فرسه ، فقاتلهم راجلاً، قائماً وباركاً، ثم كثرت به الجراحات، فذبب بسيفه، وجعل يحثو التراب في وجوههم، والمهلب غير حاضر، ثم قتل رحمه الله، وحضر المهلب فأخبر، فقال للحريش وعطية العنبري: أأسلمتما سيد أهل العسكر، لم تعيناه ولم تستنقذاه، حسداً له، لأنه رجل من الموالي! ووبخهما، وحمل رجل من الخوارج على رجل من أصحابه فقتله، فحمل عليه المهلب فطعنه وقتله، ومال الخوارج بأجمعهم على العسكر، فانهزم الناس، وقتلوا سبعين رجلاً، وثبت المهلب، وأبلى المغيرة يومئذ وعرف مكانه، ويقال: حاص المهلب يومئذ حيصة . وتقول الأزد: بل كان يرد المنهزمة ويحمي أبارهم، فقال رجل من بني منقر بن عبيد بن الحارث بن كعب بن سعد بن مناة بن تميم:
بسولاف أضعت دماء قومي … وطرت على مواشكة درور
قوله: مواشكة يريد سريعة، ويقال: نحن على وشك رحيل. ويقال: ذميل مواشك، إذا كان سريعاً، قال ذو الرمة:
إذا ما رمينا رمية في مفازة … عراقيبها بالشيظمي المواشك
ودرور، فعول من در الشيء، إذا تتابع.
وقال رجل من بني تميم آخر:
تبعنا الأعور الكذاب طوعاً … يزجي كل أربعة حمارا
فيا ندمى على تركي عطائي … معاينة وأطلبه ضمارا
إذا الرحمن يسر لي قفولاً … فحرق في قرى سولاف نارا
قوله: الأعور الكذاب، يعني المهلب، ويقال: غارت عينه بسهم كان أصابها. وقال: الكذاب لأن المهلب كان فقيهاً، وكان يعلم ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله: " كل كذب يكتب كذبا إلا ثلاثة: الكذب في الصلح بين الرجلين، وكذب الرجل لامرأته يعدها، وكذب الرجل في الحرب يتوعد ويتهدد " .
وجاء عنه صلى الله عليه وسلم: " إنما أنت رجل، فخذل عنا، فإنما الحرب خدعة " .
وقال عليه السلام في حرب الخندق لسعد بن عبادة وسعد بن معاذ، وهما سيدا الحيين، الخزرج والأوس: " إيتيا بني قريظة، فإن كانوا على العهد فأعلنا بذلك، وإن كانوا قد نقضوا ما بيننا فالحنا لي لحناً أعرفه. ولا تفتا في أعضاد المسلمين. فرجعا بغدر القوم فقالا: يا رسول الله عضل والقرة. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أبشروا فإن الأمر ما تحبون " : قال الأخفش: سألت المبرد عن قولهما: عضل والقارة فقال: هذان حيان كانا في نهاية العداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فأرادا في الانحراف عنه والغدر به كهاتين القبيلتين.
قال أبو العباس: فكان المهلب ربما صنع الحديث ليشد به من أمر المسلمين ويضعف من أمر الخوارج. فكان حي من الأزد يقال لهم الندب إذا رأوا المهلب رائحاً إليهم قالوا: قد راح المهلب ليكذب! وفيه يقول رجل منهم:
أنت الفتى كل الفتى … لو كنت تصدق ما تقول
فبات المهلب في ألفين، فلما أصبح رجع بعض المنهزمة فصار في أربعة آلاف. فخطب أصحابه فقال: والله ما بكم من قلة، وما ذهب عنكم إلا أهل الجبن الضعف والطمع والطبع، فإن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله. فسيروا إلى عدوكم على بركة الله.
فقام إليه الحريش بن هلال فقال: أنشدك الله أيها الأمير أن تقاتلهم إلا أن يقاتلوك! فإن بالقوم جراحاً وقد أثخنتهم هذه الجولة.
فقبل منه ومضى المهلب في عشرة، فأشرف على عسكر الخوارج، فلم ير منهم أحداً يتحرك فقال الحريش: ارتحل عن هذا الموضع، فارتحل، فعبر دجيلاً، وصار إلى عاقول لا يؤتى إلا من وجه واحد. فأقام به وستراح الناس ثلاثاً، وقال ابن قيس الرقيات:
ألا طرقت من آل بثنة طارقه … على أنها معشوقة الدل عاشقه
تبيت وأرض السوس بيني وبينها … وسولاف رستاف حمته الأزارقه
إذا نحن شئنا صادفتنا عصابة … حرورية أضحت من الدين مارقه
أجازت إلينا العسكرين كليهما … فباتت لنا دون اللحاف معانقه
وقد ذكرنا الضمار ومعناه الغائب. وأصله من قولك: أضمرت الشيء أي أخفيته عنك، ويقال: مال عين، للحاضر. ومال ضمار، للغائب. قال الأعشى:
ومن تضيع له ذمة … فيجعلها بعد عين ضمارا
وقال أيضاً:
أبانا فلا رمت من عندنا … فإنا بخير إذا لم ترم