الكامل في اللغة والأدب محمد بن يزيد المبرد

ولاية الحجاج العراق وأمره مع المهلب والخوارج

الجزء ١ · صفحة ٢٨٩

وكان ابن مخنف شريفاً. يقول رجل من غامد لرجل يعاتبه، ويضرب بابن مخنف المثل:

تروح وتغدو كل يوم معظماً … كأنك فينا مخنف وابن مخنف

فترجل عبد الرحمن بن مخنف فجالدهم فقتل، وقتل معه سبعون من القراء، فيهم نفر من أصحاب علي بن أبي طالب صلوات الله عليه، ونفر من أصحاب ابن مسعود، وبلغ الخبر المهلب، وجعفر بن عبد الرحمن بن مخنف عند المهلب، فجاءهم مغيثاً فقاتلهم حتى ارتث وصرع، ووجه المهلب إليهم ابنه حبيباً فكشفهم، ثم جاء المهلب حتى صلى على ابن مخنف وأصحابه رحمهم الله، وصار جنده في جند المهلب، فضمهم إلى ابنه حبيب، فعيرهم البصريون، فقال رجل لجعفر بن عبد الرحمن:

تركت أصحابنا تدمى نحورهم … وجئت تسعى إلينا خضفة الجمل

قوله: خضفة الجمل يريد ضرطة الجمل، يقال: خضف البعير. وأنشدني الرياشي لأعرابي يذم رجلاً اتخذ وليماً:

إنا وجدنا خلفاً بئس الخلف … أغلق عنا بابه م حلف

لا يدخل البواب إلا من عرف … عبداً إذا ما ناء بالجمل خضف

يقال: ناء بحمله، إذا حمله في ثقل وتكلف، وفي القرآن: " ما إن مفاتحه لتنوأ بالعصبة أولي القوة " " القصص: 76 " .، والمعنى أن العصبة تنوء بالمفاتيح. وقد مضى تفسير هذا.

فلامهم المهلب، وقال: بئسما قلتم! والله ما فروا ولا جبنوا، ولكنهم خالفا أميرهم، أفلا تذكرون فراركم يوم دولاب، وفراركم بدارس عن عثمان، وفراركم عني! ووجه الحجاج البراء بن قبيصة إلى المهلب يستحثه في مناجزة القوم، وكتب إليه: إنك لتحب بقاءهم لتأكل بهم. فقال المهلب لأصحابه: حركوهم، فخرج فرسان من أصحابه إليهم، فخرج إليهم من الخوارج جمع، فاقتتلوا إلى الليل، فقال لهم الخوارج: ويلكم أما تملون! فقالوا: لا، حتى تملوا، قالوا: فمن أنتم؟ قالوا: تميم، قالت الخوارج: ونحن بنو تميم، فلما أمسوا افترقوا، فلما كان الغد خرج عشرة من أصحاب المهلب وخرج إليهم عشرة من الخوارج، فاحتفر كل واحد حفيرة وأثبت قدمه فيها، فكلما قتل رجل جاء رجل من أصحابه فاجتره وقام مكانه، حتى أعتموا ، فقال لهم الخوارج: ارجعوا، فقالوا: بل ارجعوا أنتم، فقالوا إلى الحجاج، فقال له: مه! قال: رأيت قوماً لا يعين عليهم إلا الله.

وكتب إليه المهلب: إني منتظر بهم إحدى ثلاث: موت ذريع، أو جوع مضر، أو اختلاف من أهوائهم.

وكان المهلب لا يتكل في الحراسة على أحد، كان يتولى ذلك بنفسه، ويستعين بولده وبمن يحل محلهم في الثقة عنده.

وقال أبو حرملة العبدي يهجو المهلب:

عدمتك يا مهلب من أمير … أما تندى يمينك للفقير!

بدولاب أضعت دماء قومي … وطرت على مواشكة درور

فقال المهلب: ويحك! والله إني لأقيكم بنفسي وولدي، قال: جعلني الله فداء الأمير! فذاك الذي نكره منك، ما كلنا يحب الموت، قال: ويحك! وهل عنه محيص؟ قال: لا، ولكنا نكره التعجيل، وأنت تقدم عليه إقداماً، قال المهلب: أما سمعت قول هبيرة الكلحبة اليربوعي:

فقلت لكأس ألجميها فإنما … نزلنا الكثيب من زرود لنفزعا

قال: بلى والله قد سمعته، ولكن قولي أحب إلي منه، وهو :

فلما وقفتم غدوة وعدوكم … إلى مهجتي وليت أعداءكم ظهري

وطرت ولم أحف مقالة عاجز … يساقي المنايا بالرجينية السمر

فقال له المهلب :بئس حشو الكتيبة والله أنت! فإن شئت أذنت لك فانصرفت إلى أهلك، فقال: بل أقيم معك أيها الأمير، فوهب له المهلب وأعطاه، فقال يمدحه:

يرى حتماً عليه أبو سعيد … جلاد القوم في أولى النفير

إذا نادى الشراة أبا سعيد … مشى في رفل محكمة القتير

الرفل: الذيل.

وكان المهلب يقول: ما يسرني أن في عسكري ألف شجاع بدل بيهس بن صهيب، فيقال له: أيها الأمير، بيهس ليس بشجاع، فيقول: أجل، ولكنه سديد الرأي محكم العقل، وذو الرأي حذر سؤول، فأنا آمن أن يعتقل، فلو كان مكانه ألف شجاع قلت: إنهم ينشامون حين يحتاج إليهم .

٢٨٩ / ٣٣٦