ولاية الحجاج العراق وأمره مع المهلب والخوارج
الجزء ١ · صفحة ٢٩٣وحمل يزيد عليه وقد جاء الرقاد، وهو من فرسان المهلب، وهو أحد بني مالك بن ربيعة، على فرس له أدهم، وبه نيف وعشرون جراحة، وقد وضع عليها القطن، فلما حمل يزيد ولى الجمع وحماهم فارسان، فقال يزيد لقيس الخشني مولى العيتك من لهذين؟ قال: أنا، فحمل عليهما، فعطف عليه أحدهما، فطعنه قيس الخشني فصرعه، وحمل عليه الآخر فعانقه، فسقطا جميعاً إلى الأرض، فصاح قيس الخشني: اقتلونا جميعاً، فحملت خيل هؤلاء وخيل هؤلاء، فحجزوا بينهما، فإذا معانقه امرأة، فقام قيس مستحيياً، فقال له يزيد: أما أنت فبارزتها على أنها رجل، فقال: أرأيت لو قتلت! أما كان يقال: قتلته امرأة! وأبلى يومئذ ابن المنجب السدوسي، فقال له غلام له يقال له خلاج: والله لوددنا أنا فضضنا عسكرهم حتى أصير إلى مستقرهم فأستلب مما هناك جاريتين. فقال مولاه: وكيف تمنيت اثنتين؟ قال: لأعطيك إحداهما وآخذ الأخرى، فقال ابن المنجب:
أخلاج إنك لن تعانق طفلة … شرقاً بها الجادي كالتمثال
حتى تلاقي في الكتيبة معلمة … عمرو القنا وعبيدة بن هلال
وترى المقعطر في الكتيبة مقدماً … في عصبة قسطوا مع الضلال
أو أن يعلمك المهلب غزوة … وترى جبالاً قد دنت لجبال
قوله: طفلة يقول: ناعمة، وإذا كسرت الطاء فقلت: طفلة فهي الصغيرة. والجادي: الزعفران، والكتيبة: الجيش، وإنما سمي الجيش كتيبة لانضمام أهله بعضهم إلى بعض. وبهذا سمي الكتاب. ومنه قولهم: كتبت البغلة والناقة إذا خرزت ذلك الموضع منها. وكتبت القربة. والمعلم: الذي قد شهر نفسه بعلامة، إما بعمامة صبيغ، وإما بمشهرة، وإما بغير ذلك. وكان حمزة بن عبد المطلب رضوان الله عليه معلماً يوم بدر بريشة نعامة في صدره وكان أبو جدانة - وهو سماك بن خرشة الأنصاري - يوم أحد لم قال رسول الله صلى الله عليه سلم: " من يأخذ سيفي هذا بحقه؟ " قالوا: وما حقه يا رسول الله؟ قال: " أن يضرب به في العدو حتى ينحني " ، فقال أبو دجانة: أنا، فدفعه إليه، فلبس مشهرة فأعلم بها، وكان قومه يعلمون لما بلوا منه أنه إذا لبس تلك المشهرة لم يبق في نفسه غاية، ففعل، وخرج يمشي بين الصفين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنها لمشية يبغضها الله عز وجل إلا في مثل هذا الموضع " . ويروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع علياً صلوات الله عليه يقول لفاطمة ورمى إليها بسيف، فقال: هاك حميداً فاغسلي عنه الدم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لئن كنت صدقت القتال اليوم لقد صدقه معك سماك بن خرشة وسهل بن حنيف والحارث بن الصمة " . وفي بعض الحديث " وقيس بن الربيع " وكل هؤلاء من الأنصار.
عاد الحديث إلى ذكر الخوارج: وعمرو القنا من بني سعد بن زيد مناة بن تميم، وعبيدة بن هلال من بني يشكر بن بكر بن وائل، والذي طعن صاحب المهلب في فخذه فشكها مع السرج من بني تميم. قال: ولا أدري أعمرو هو أم غيره. والمقعطر من عبد القيس.
وقوله: قسطوا أي جاروا، يقال قسط فهو قاسط، إذا جار، قال الله جل ثناؤه: " وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا " " الجن: 15 " . ويقال: أقسط يقسط فهو مقسط، إذا عدل، قال الله تعالى: " إن الله يحب المقسطين " " الحجرات: 9 " .
وكان بدر بن الهذيل شجاعاً، وكان لحانة، فكان إذا أحس بالخوارج نادى يا خيل الله اركبي، وله يقول القائل:
وإذا طلبت إلى المهلب حاجة … عرضت توابع دونه وعبيد
العبد كردوس وعبد مثله … وعلاج باب الأحمرين شديد
كردوس: رجل من الأزد، وكان حاجب المهلب. وقوله: " وعلاج باب الأحمرين شديد " ، العرب تسمي العجم الحمراء، وقد مر تفسير ذا.
وقوله: توابع أراد به الرجال، فجاز في الشعر، وإنما رده إلى أصله للضرورة، وما كان من النعوت على فاعل فجمعه فاعلون لئلا يلتبس بجمع فاعله التي هي نعت، وقد قلنا في هذا: ولم قالوا: فوارس وهالك في الهوالك.