ومن الجزء الثالث
الجزء ١ · صفحة ١٥(83)وعن مروان بن قيس الدوسي قال: حضرت النبي صلى الله عليه وسلم وقد ذكرت عنده الكهانة فيما كان من آياته عند مخرجه. فقلت له: يا رسول الله - صلى الله عليك - عندنا من ذلك شئ بين، كانت عندنا جارية حسانة ظرافة يقال لها الخلصة، ولم يعلم عليها الا خيرا، فاذا هي قد جاءتنا في مجلس لنا، فقالت: يا معشر دوس هل علمتم علىّ الا خيرا؟قلنا: لا والله، قالت: بينا انا في غنمي اليوم، اذ غشيتني ظلمة، وقد وجدت كحس الرجل مع المراة، وقد خشيت ان اكون قد حملت. فاستمرت حاملا، فولدت غلاما اغضف، له اذنان كأذني كلب، فمكث حتى اذا كان غلاما، فبينا هو يلعب مع الصبيان اذ القى ازاره، ووثب، وصاح بأعلى صوته، وجعل يقول: يا ويله ياويل غنم وويل فهم، من قابس النار اتى بالدهم، بقتل همدان وقتل فهم، يا ويله يا ويله بالاجلاب، نزلوا والله بالمعشبة المحطاب، الخيل والله وراء العقبة، نقية كالجنة، ياويله، فركبنا واستلأمنا، فقلنا: ويلك، ما ترى؟ فقال: هل من جارية طامث لم تكعب، معها صبي؟قلنا: وكيف لنا بها؟فقال شيخ من الحي: عندي هي والله عفيفة عفيفة الام، رأيت امها نبذت في فراشها البارحة، فقال: عجلها. فأتت الجارية، فطلعت الخيل، فقال: اطرحي ثوبك، واعدي في وجهي وقال القوم: اتبعوا اثرها، وقال لرجل منا يقال له احمد بن حابس: يا احمد بن حابس اني حابس عليك اول فارس، وقال: فظهر والله اول مرتجل منا يقال له: احمر، فلقى اول عادية القوم، فصرعه وغنمناهم، قال: فبنينا عليه بيتا وسميناه ذا الخلصة، كان لا يقول شيئا الا وجدناه كما يقول، حتى قال لنا يوما: يا معشر دوس، نزلت بنو الحارث بن كعب، والجيش عفاس، فاركبوا، فاستلأمنا وركبنا، فقال: والقوا القوم غدية، واشربوا الخمر عشية، فلقيناهم فهزمونا وفضحونا، فقلنا: ويلك: مالك وما صنعت بنا ؟واغتفرناها له، فمكثنا ما شاء الله، فاذا هو يقول: يا معشر دوس، هل لكم في غزوة تهب لكم عزا؟قلنا: ما احوجنا اليها؟؟ قال: اركبوا، فركبنا، فقال: ايتوا بني الحارث بن مسلمة فاجعلوها بينه، ثم قال: عليكم بفهم، كلا، ليس لكم فيهم دم، عليكم بنصر وجشم، رهط دريد بن الصمة، كلا، قليل الحنث وفي الذمة، عليكم بكعب بن ربيعة، فانهم اهل فجيعة، فلتكن بهم الوقيعة، قال: فخرجنا فلقيناهم، فهزمونا وفضحونا. فقلنا: ويلك: ماذا تصنع بنا؟ فقال: ما ادري، اكذبني الذي صدقني؟امكثوا عني ثلاثا ثم ائتوني. فلمّا مضت الثلاث خرج الينا، فقال: يا معشر دوس، خرست السماء، وحل القضاء، وخرج خاتم الانبياء. قلنا: اين؟قال: مكة بكة، انا ميث لثلاث، فادفنوني في رأس موضع جفو، فاني سوف اضطرم نارا، فلا اكونن عليكم عارا، فقولوا عند ذلك: باسم اللهم رب النار، وارموني بثلاثة احجار، ففعلنا، فطفئت النار، ورجع الينا الحاج فأخبرونا بمخرجك يا رسول الله.
(84)وعن الهيثم بن عدي، قال: ذكرت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم الكهانة يوما، فقال الزبان العدواني: والله يا رسول الله لقد رايت من ذلك عجبا. قال: وما هو؟ قال: كانت لنا ام يقال لها: انيسة فولدتني واربعة اخوة معي، فكانت عدوان تتعجب منا، وتقول: بنو انيسة، فخرجت في سفر، فتركتهم في آثارهم لاطلبهم فأردهم، فلم اجد لهم خبرا، حتى انزل على رجل من نهد، فاني لعنده اذ طلعت جويرية امام غنم فرزاء، على عنقها علبة، والجارية فوق الخماسية، فلمّا راها قال: مرحبا يا بنيتي صحيبة، وانعمي واسلمي، قالت: قد كان ما قلت، وانت بمثله، لا زلت في غيث وواد يرف بقله، قال: اخبرينا يا بنية كيف كنت بعدنا وكيف كنا بعدك؟واما انتم بعدي فان ضيفكم هذا ولدت بعده امراته غلاما، فسمته عصاما، ولقد نزل عليكم فتية اربعة معهم ناقة جذعة، قالوا الضحى، فارتحلوا الظهيرة، فهم واردون ماء جويرة، فيردونه غلسا، فيشربون منه نفسا، ثم يميلون وهم كالون، فيموتون اجمعون، ثم القت العلبة وصفقت بيدها، وقالت: مه، فسدت اللعبة، اخوهم ورب الكعبة، قال: فهل ترين لهم من فرج؟قالت: نعم، ان سار في الاصيل، حتى يدركهم بطفيل، في ورودهم حين تهب الريح، وينفخ الشيح، طاب الشراب وسلم الاياب.
قال: فخرجت سريعا، وكنت اذا استبطأت ناقتي طردت وسعيت، حتى ادركهم فأجدهم قد شربوا، واجدهم موتى اجمعين فذلك قولي:
ابعد بني امي ابتغي … ندامى كراما او اظل اشاوف