ومن الجزء السادس
الجزء ١ · صفحة ٢٣(141)وعن الأَصمعي، قالَ: سمعت شيخا من بني عمرو بن كلاب يقول: خرج عبدالله بن جعفر يريد فأجاءه المطر إلى أبيات، فأذا فيها قبة حمراء بفنائها رجل ينادي الدار الدار، فأنخنا وخلنا القبة، وحط عن رحالنا، ثم اتى بجزور فعقرها، فبتنا في شواء وقدير، وتحدث معنا من الليل هنيهة، فلمّا اصبح وقف على القبة وسلم وسألنا عن مبيتنا، وانصرف واتى بجزور فعقرها، فقلنا: يرحمك الله ما تريد إلى هذا. فقال: انا لا نطعم اضيافنا غابا. قالَ عبدالله: فدعوت بثوب فجعلت فيه زعفرانا، وصررت فيه مائة دينار، وبعثت بها إلى اهله، فقالوا: انا لا نقدر على اخذها الا باذنه، فسألته ان يقبلها، فأبى. فلمّا ارتحلنا عنه ودعته، وانثنيت، فألقيت الثوب بين البيوت. وانا لنسير اذ لحقنا على فرسه، مشرعا رمحه، قد احمرت عيناه، والموت بين يديه. فصاح بنا: اغنوا عنى هذا ونبذه الينا وهو يقول:
واذا اخذت ثواب ما اعطيته … فكفى بذاك لنائل تكديرا
(142)وعن أبي عُبَيْدة، قالَ: خرج الوليد بن عقبة ابن أبي معيط إلى مروان بالمدينة، واخبره بدين ركبه، فأمر له بعشرة الاف درهم، قالَ: واين تقع مني هذه؟ولم يقبلها. ثم اتى المغيرة بن شعبة، فساله بمثل ما سأل مروان، فأعطاه عشرة الاف، فلم يقبلها. وانحدر إلى ابن عامر بالبصرة فأخبره خبره، فقال: وكم دينك؟قالَ: اربع مئة الف. فقال: هي لك وصلة مئة الف. فأنشأ يقول:
الا جعل الله المغيرة وابنه … ومروان نعلي بذلة لابن عامر
كفى الله ما ضيعتما بابن عامر … هو الجابر الهلكي فيا خير جابر
يفيض الفرات للذين يلونه … وسيبك مبذول لباد وحاضر
فقال له ابن عامر: ما اعطيتنا خير مما اعطيناك، لان ذاك يذهب، وهذا يبقى.
(143)وعن أبي عُبَيْدة، قالَ: كان ابو الاسود الدؤلي قد اتخذ دكانا على بابه قدر مجلسه وموضع طبق يضعه بين يديه، ويأكل منه، فأذا مر به مار سلم عليه، وعرض عليه طعامه، فينظر فلا يرى لنفسه موضعا، فيدعو له وينصرف. فمر به اعرأبي وهو يأكل، فدعاه فأجابه، واقبل يأكل معه وهو قائم، فلمّا اشتد عليه القيام اخذ الطبق فوضعه في الارض، وقال له: ان كانت لك في الطعام حاجة فانزل فكل، واقبل الاعرأبي يأكل وابو الاسود ينظر اليه، ويتغيظ، فقال له: ما اسمك يا اعرأبي؟قالَ: لقمان. قالَ: لقد اصاب اسمك اهلك، ثم انشأ ابو الاسود يقول:
انظر إلى جلسته وهطه
ولقمه مبادرا وغطه
ولفه رقاقه ببطه
كأن جالينوس تحت ابطه (144)عن ابراهيم بن خالد بن مخرمة، قالَ: كنت يوما عند مسلمة بن عبد الملك، وقد زاره عبدالله بن عمر بن عبد العزيز، وكان مصافيا له، فاستؤذن لرجل من اهل الحيرة على مسلمة، فقيل: بالباب شيخ فزع اليك في مظلمة، وهو جار ضضيعتك بمكان كذا وكذا، فأذن له، فدخل، فأذا رجل طويل القامة، ضخم اللحية، جهم الوجه، قد اخذ عارضاه بين منكبيه، وبلغ عثنونه سرته، وعليه ممطر محشو، فيه حشو ثلاثة مماطر في يوم صائف. فو الله ما هو الا ان طلع فمشى، وتفرج، وخطر بيديه، فرأيت مسلمة يلاحظه ويعاتب نفسه، فسلم وذكر حاجته بنهر وضجيج، ولغط وتخليط. فقال له مسلمة: اجلس، فجلس، فقال له: ما كنيتك؟قالَ ابو العجيس، قالَ: ما اسمك؟قالَ: صهاب بن حمال، وابدى يسراه فاذا فص خاتمه مثل الابهام، وعليه اسطار. فلمّا رآه مسلمة لم يصبر، فقال: ارى فصك ضخما، وارى سطورا فما فيه؟فوالله ما حفظ اسمه حتى دفعه الي، فأذا فيه صهاب ابو العجيس، يؤمن بالواحد الاحد الصمد، وبالنبي الامي محمد، ويسأل الله حياة سعادة، وموت شهادة، على كل شئ قدير فما استتم القراءة حتى ضحك عبدالله، واضحكني ما رأيت، وتبسم مسلمة، ثم قالَ لحاجبه: اقض حاجته، واحسن ضيافته، فلمّا توارى قالَ مسلمة:
ما بعد كنيته وعظم لحيته … ونقش خاتمه شك لمعتبر
(145)وعن عبد الرحمن، قالَ: سمعت عمي يقول: التهنئة على آجل الثواب اولى من التعزية على عاجل المصيبة (146)وعن الأَصمعي، قالَ: دخل رجل من العرب على رجل يعزيه، فأَنشَدَه أبيات عمران بن حطان:
كيف اعزيك والاحداث مقبلة … فيها لكل امرئ من غيره شغل