ومن الجزء السادس
الجزء ١ · صفحة ٢٧(182)قالَ ابو عُبَيْدة: كتب عبد الملك إلى الحجاج ان ابغني رجلا جامعا للعلم والفقه، عاقلا لبيبا، فاضلا في اخلاقه ومرؤته، يكون مع ولدي. فلمّا اتاه الكتاب بعث اليه بعامر الشعبي، فقدم عليه رجل الغالب عليه الفقه والورع، فكأن عبد الملك لم ينشط له، فكان يختلف اليه فيسلم ثم يجلس لا يسأل عن شئ، ولا يخبر به، حتى دخل الوليد يوما على أبيه، فجلس اليه، ودخل عامر، فلمّا نظر اليه قالَ: من هذا يا امير المؤمنين؟قالَ: هذا الوليد بن عبد الملك. قالَ الشعبي: يا امير المؤمنين، هذا كما قالَ النابغة يوم ملك النعمان بن الحارث. قالَ: وما قالَ؟فأَنشَدَه:
هذا غلام حسن وجهه … مستقبل الخير سريع التمام
للحارث الاكبر والحارث ال … أصغر والاعرج خير الانام
ثم لهند ولهند وقد … اسرع في الخيرات منه امام
ستة املاك هم ما هم … هم خير من يشرب صوب الغمام
فانبسط عبد الملك بعد ذلك اليه، وامره بحضور اولاده.
(183)قالَ: لمّا مات النبي صلى الله عليه وسلم ودفن رجعت فاطمة رضوان الله عليها إلى بيتها، واجتمع اليها نساؤها فقالت: انا لله وانا اليه راجعون انقطع خبر السماء، ثم قالت:
اغبر افاق السماء وكورت … شمس النهار واظلم العصران
فالارض من بعد النبي حزينة … اسفا عليه كثيرة الرجفان
فليبكه شرق البلاد وغربها … ولتبكه مضر وكل يمان
وليبكه الطور المبارك جوه … والبيت ذو الاستار والاركان
نفسي فداؤك ما لرأسك مائلا … ما وسدوك وسادة الوسنان
(184)وعن العباس بن هشام، قالَ: عزى رجل المنذر ابن المنذر، ابا النعمان بن المنذر، فقال: اعلم ان خيرا من الخير معطيه، وشرا من الشر فاعله، ونحن اعوان الحتوف على انفسنا، وانفسنا تسوقنا إلى الفناء. ثم قالَ: اني نرجو البقاء وهذا الليل والنهار لم يرفعا من شئ شرفا الا اسرعا الكرة في هدم ما رفعنا، وتفريق ما جعما، فاطلب الخير تكن من اهله، واعتصم بالصبر من عوارض الجزع، فلو ان جزعا على رزية وقى حلول نائبة، اورد فئتا، لتنافس فيه العاقل، واعتصم به الخائف، ولكنه الصبر طوعا او كرها.
(185)عن أبي عُبَيْدة، قالَ: دخل حماد عجرد على أبي عمرو بن العلاء، وعلى رأس أبي عمرو جارية، يقال لها: منيعة في يوم صائف، وهي رسحاء فتخاء وكان لها ظرف، فأقبلت تعجرد فنهاها ابو عمرو، فعاودت، فأَنشَدَت فأنشأ حماد يقول:
لو تأتي لك التحول حتى … تجعلي خلفك اللطيف اماما
في كون الذي تقدم في ال … خلقة خلقا مؤخرا لاستقاما
لاذا كنت يا منيعة خير ال … ناس خلفا وخيرهم قداما
فقال لها عمرو: نهيتك عن العبث به.
(186)عن أبي عُبَيْدة، قالَ: قالَ الحجاج لوازع بن ذؤالة الكلبي، كيف قتلت همام بن قبيصة النميري؟قالَ: مر بي والناس منهزمون، لو شاء ان يذهب لذهب، فلمّا رآني قصدني، فضربته وضربني وسقط فحاول القيام فلم يقدر، فقال وهو في الموت:
تعست ابن ذات النوف اجهز على امرئ … يرى الموت خيرا من فرار وأكراما
ولا تتركني كالحشاشة انني … صبورا اذا ما النكس مثلك احجما
فدنوت منه فقال: اجهز عليّ قبحك الله، فقد كنت احب ان يلي هذا مني من هو اربط جأشا منك، فاحتززت رأسه فأتيت به مروان بن الحكم.
(187)وعن أبي عُبَيْدة، عن رجل من بني تميم، قالَ: جاء رجل من كلب يوم المرج برأس زياد بن عمرو العقيلي إلى مروان بن الحكم، فقال له مروان: من قتل هذا؟فقال: انا. فقال مروان: كذبت. قالَ: المكذب اكذب، قالَ: انا والله قتلته، مر بي وهو تعدو به فرسه، وهو يقول:
قد طاب ورد الموت مروان فرد
لا تحسبن العيش ادنى للرشد
لا خير في طول الحياة في كمد
فطعنته فسقط، فنزلت اليه وهو مثبت، وهو يقول:
بعد سحقا لامرئ عاش في … ذل وفي كفيه عضب صقيل
(188)قالَ: دخل ابو الاسود الدؤلي على معاوية، فقال له: اصبحت جميلا يا ابا الاسود، لو علقت تميمة تدفع عنك العين.
فقال ابو الاسود: