تعليق من أمالي ابن دريد محمد بن الحسن بن دريد الأزدي أبو بكر

ومن الجزء السابع

الجزء ١ · صفحة ٢٩

(199)وعن أبي عُبَيْدة، قالَ: كان ابان بن عثمان بن عفان فصيحا، فقام يوما يصلي، فمر رجلان يتحدثان، واحدهما يقول لصاحبه " ركبت بغلة فقمصت بي قماصا شديدا، فقطع ابان الصلاة وقال: قماصا لا ام لك.

(200)وعن أبي عُبَيْدة، قالَ: سمعت يونس يذكر زيادا وكرم مجالسته. قالَ: حبق رجل في مجلسه فجاء بصوت منكر، فلمّا كان الغد، امر زياد غلاما له، فجاء بنفاخة فنفخها ووضعها تحت وسادة الرجل الذي كان منه الحدث، فلمّا جلس على الوسادة انصدعت النفاخة، فجاء صوتها كالصوت الذي جاء بالامس، فقال زياد للرجل: قم، فقام فأذا النفاخة منصدعة، فقال زياد: لقد اجترأ على من صنع هذا في مجلسي مرتين.

(201)وعن الأَصمعي، قالَ: كان عبدالله بن عامر بن كريز من فتيان قريش جودا وحياء وكرما. فدخل اعرأبي ليلا، فسأل عن دار ابن عامر، فأرشد اليها، فجاء حتى اناخ راحلته بفنائها، وانشغل عنه الحاجب والعبيد، فبات القفر، فلمّا اصبح ركب ناقته ووقف على الحاجب، وانشأ يقول:

كأني ونضوى عند باب ابن عامر … من الجوع ذئبا قفرة هلعان

وقفت وصنبر الشتاء يلفني … فقد مس برد ساعدي وبناني

فما اوقدوا نارا ولا اعرضوا قرى … ولا اعتذروا من عسرة بلسان

فقال بعض شعراء البصريين:

كم من فتى تحمد اخلاقه … ويسكن العافون في ذمته

قد كثر الحاجب اعداءه … واحقد الناس على نعمته

فبلغ ذلك ابن عامر، فعاقب الحاجب، وامر الا يغلق بابه ليلا ولا نهارا (202)وعن أبي عُبَيْدة، قالَ: خطب رجل من بكر بن وائل إلى رجل من مراد ابنته، فهم ان يزوجها، فبينا الجارية يوما تلعب مع الجواري اذ جاء البكري، فقلن لها: هذا خاطبك. فقالت: ما رجل هو اجب الي ان اكون قد رأيته منه - فلمّا رأت رجلا كبير السن، قبيح الوجه، قالَ: اوقد رضي أبي؟فقلن: نعم، فدخلت البيت، واشتملت على السيف، وشدت عليه، فسبقها عدوا، ونالته بضربة. فقال ابن همام السلولي، وهو يشبب بامرأَة:

اخاف بأن يجزي المحب كما جزت … فتاة مراد شيخ بكر بن وائل

فلو لم يرع روع الحبارى تفتخت … ذوائبه منها بأبيض ناصل

ولا ذنب للحسناء لمّا بدا لها … ضعيف كخيط الصوف رخو المفاصل

(203)وعن محمد بن السائب، قالَ: حدثني شيخ من اهل حضرموت بمكة، فتذاكرنا اولية العرب، فقال لي: لو حفظ عنهم كل ما سيروه وتذاكرنا اولية العرب من امثالهم وحكمهم، لاضعف على اخبار الامم. ثم حدثني عن أبيه، وكان اسمه عامر بن جهدم، عن جده عامر، وكان جاهليا، قالَ: كان بحضرموت شيخ ازاء مال، وكان له ثلاثة بنين، فدعا بنيه لمّا كبر، فقال لهم: يا بنيّ، قد بلغت من السن ما ترون، وقد اشفيت على يومي، فأنا هامة اليوم اوغد، فأيكم تكام بثلاث كلمّات من الحكم جعلت له ثلث مالي، وان قصرتم اعترضت بها سوق الرأبية، وقلت: من اخذ منها شيئا فهو له. فقال الاكبر:

ما طاب فرع لا يطيب اصله

حمى مؤاخاة الئيم فعله

فأن من آخى لئيما مثله

فقال: دونك ثلاثمائة ناقة ترعاها.

فقال الاخر:

يا رب حلو سيعود سما

ورب حمد سيكون ذما

ورب روح سيصير غما

فقال: دونك ثلاثمائة وقام الاصغر، فقال:

من مات فالحي له مباعد

بسرعة النقض مبير الرائد

كم ولد يموت ويحي الوالد

فقال: دونك اربعمئة.

(204)وعن الأَصمعي، قالَ: مرض اعرأبي من بني نمير، يقال له حنيف بن مساور، وكانت له امرأَة من قومه يقال لها: زرعة بنت الاسود، وكان لها محبا، فلمّا اشتد وجعه جلست عند رأسه، فأنشأ يقول:

يا زرع دومي واحفظي لي عهدي … كم من منير بيننا ومسدى

وكاشح يا زارع بادي الحقد … يا زرع ان وسدتني في لحدي

وجاءك الخاطب بعد الوقد … وقلت عبد بدل من عبد

فخصك الله بفدم وغد … ينام في بيتك نوم الفهد

قالَ: فمات، فو الله ما انقضت عدتها الا ريث ما تزوجت، فكأنه كان يرى زوجها، فتزوجته كما وصف.

(205)أَنشَدَ الرياشي:

ارى زمنا نوكاه اسعد اهله … ولكنما يشقى به كل عاقل

٢٩ / ٣٨