تعليق من أمالي ابن دريد محمد بن الحسن بن دريد الأزدي أبو بكر

ومن الجزء الخمس

الجزء ١ · صفحة ٩

(44) اخبرنا ابو بكر بن دريد، قال: أخبرنا ابو حاتم عن الأَصمعي عن يونس قال: جاء اعرأبي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، والله لقد امسينا ومالنا بعير يئط ولا صبي يصطبح، ثم أَنشَدَه:

اتيناك والعذراء يدمي لبانها … وقد شغلت أم الصبي عن الطفل

وألقى بكفيه الفتى لاستكانة … من الجوع ضعفاً ما يمر ولا يحلى

ولا وزر إلا إليك فرارنا … وأين فرار الناس إلا الرسل

فقام النبي صلى الله عليه يجر رداءه، حتى صعد المنبر، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: اللهم اسقنا غيثاً مغيثاً، مريئاً غدقاُ طبقاً، عجلا غير رائث، نافعا غير ضائر، تنبت به الزرع، وتملا به الضرع، وتحيي به الارض بعد موتها. فو الله ما رد يده إلى نحره حتى التقت السماء بأودائها وجاء اهل الباطنة يصيحون، يا رسول الله، الغرق الغرق، فرفع يده إلى السماء، فقال: اللهم حوالينا ولا علينا، فانجاب السحاب عن المدسنة حتى احدق بها كالاكليل، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه، ثم قال: لله أبو طالب، لو كان حيا قرت عيناه، من ينشدنا قوله؟ فقام علي - رضوان الله عليه - فقال: يا رسول الله، كانك اردت:

وأبيض يستسقي الغمام بوجهه … ثمال اليتامى عصمة للارامل

يلوذ به الهلاك من آل هاشم … فهم عنده في نعمة وفواضل

كذبتم وبيت الله نترك احمداً … ولمّا نقاتل دونه ونناضل

ونسلمه حتى نصرع حوله … ونذهل عن ابائنا والحلائل

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أجل، فقل رجل فقال:

لك الحمد والحمد ممن شكر … سقينا لوجه النبي المطر

دعا الله خالقه دعوةً … إليه وأشخص منه البصر

فلم يك إلا كلفت الرداء … وأسرع حتى أتتنا الدرر

دقاق العزا لي وجم البعاق … اغاث به الله حيي مُضر

وكان كما قاله عمُّه … ابو طالب أبيضا ذا غرر

به الله أنزل صوب الغمام … فهذا العيان وذاك الخبر

فمن يشكر الله يلق المزيد … ومن يكفر الله يلق الغير

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن يكن شاعر أحسن فقد أحسنت.

(45) قال أبو عُبَيْدة: كان عقبة بن زهير بن أبي سلمى يشبب بسلمى، احدى نساء بني الجُلَيح، فتوعدوه فقال:

تذكر سلمى إنه لَطَروب … على حين أن شابت وكاد يشيب

وادبر منها كل خير وأقبلت … عواذله تلحى وليس ذنوب

يفدينه طوراً يلمنه … ويزعم أن ليست لهن قلوب

أتذهب سلمى في النهار فلا ترى … وبالليل أيم حيث شاء يشيب

المت بنا من أذرعات فسلمت … من الليل أو رؤيا المنام كذوب

فو الله ما ادري أسلمى تقولت … أم الحلم أم كل إلى حبيب

على حين وافى الحج كل مبلد … إلى الله يدعو ربه وينيب

فقلت لها فيئي إليك فإنني … حرام وإني بعد ذاك لبيب

فصدت بعيني جؤذر فتمايلت … بمثل كثيب مال فيه قضيب

وكرت بالحاظ المها وتبسمت … بعجفاء عن غر لهن غروب

جرى الإسحل الأحوى عليهن أو جرى … عليهن من فرع الأرك قضيب

فإن تك سلمى قد امر حديثها … فقد كان يحلو مرة ويطيب

وانت امرو تغدو على كل غرةٍ … فتخطي فيها مرة وتصيب

ومن يك غارات على الناس ماله … فلابد يوماً أنه سيخيب

فقلت له قد طال نومك فأرتحل … أبا لنوم داوي الفلاة تجوب

٩ / ٣٨