الفصل الثاني: جابر بن زيد ، الإمام الأول للمذهب الإباضي
الجزء ١ · صفحة ١٠٠ومن شأن دراسة موجزة للطريقة التي نهجها جابر في إصدار فتاويه أن تساعد على فهم طبيعة الفقه الإباضي . فهو محدث ؛ وكانت معرفته الواسعة بالحديث وبفتاوى الصحابة هي ميزة طريقته في الاستنباط . وعنده أن أي فتوى يجب أن تستند إلى القرآن والسنة وآراء الصحابة ؛ ثم يلي برأيه . والمصدر الثاني لفتاويه ، بعد القرآن هو السنة ، وهو القائل : (( ما كان من أمر خوالف فيه السنة نقض )) ( 44 ) . بانتهاج هذه الطريقة كان جابر يتقيد بالحكم الذي وضعه الصحابة . ولقد حذره معلمه عبد الله بن عمر من أن يصدر فتوى إلا بكتاب ناطق أو سنة ماضية ( 45 ) . ويقال أيضا إن جابرا قال : (( أدركت ناسا من الصحابة ، أكثر فتياهم أحاديث رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ( 46) )) . وبعد السنة يأتي (( الرأي )) . وبالنسبة لهذا المصدر الثالث للشرع ، اعتقد جابر بأن حكمه ينبغي أن يأتي بعد حكم الصحابة ، لا قبله ؛ فقال : (( ورأي من قبلنا أفضل من رأينا الذي نرى ، لم يزل الآخر يعرف للأول فضله ، وكانوا أحق بذلك من المهاجرين مع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) والتابعين لهم بإحسان ، فقد شهدوا وعملوا ، فالحق علينا وطء أقدامهم وأتباع آثارهم )) ( 47 ) . ثم يقول بعد ذلك : (( فلعمري ما أنا إلا متعلم متبع آثار قد وطئت قبلي ، وما عندي من ذلك ثقة ولا دلالة إلا رواية عسى أن نختلف فيها )) ( 48 ) .