مؤلف هذه الدراسة
الجزء ١ · صفحة ١٩وهكذا لم يطق حياة الاغتراب ، وهمه وهواه أن يصلح أمته ووطنه ، وأن يكون قريبا من أهله وذويه ، وأقاربه فعاد إلى ليبيا قبل دوران حول عن مفارقتها .
بعد هذه التجربة المريرة ما بين نفي واغتراب واعتقال أيقن عمرو النامي أن النظام الليبي لن يسكت عنه وأنه سيختلق المبررات لملاحقته واضطهاده كلما حلى له أن يفعل ذلك ، وآمن أن حرية الكلمة والحركة التي هي حق من حقوق الإنسان ، وأن الصدع بالحق وأداء النصيحة التي هي واجب على كل مسلم ، لا يمكن أن تجد مكانها في ظل حكم دكتاتوري ولو تظاهر بالديموقراطية ، ومن هنا قرر الانسحاب من المدن الكبيرة آوايا إلى جبل نفوسة بعيدا عن أعين المخابرات والجواسيس ، وقرر أن ينفذ قرارا مريرا يتحول به من حياة إلى حياة ، قرر الأستاذ الجامعي أن يترك مهنة التدريس إلى مهنة الرعي ، ويودع أبهاء الجامعة إلى قمة الجبل ، ويستبدل بأضواء المدن والعواصم ، سكون الصحراء وهدوء الجبل ويكتفي بشظف العيش وخشونة الملبس عن رفاهية المدينة ورقة حواشيها ، فاشترى قطيعا من الأغنام فذهب إلى ظاهر ( نالوت ) مسقط رأسه ومرابع ذكرياته ومقر أسرته وأهله ، وفي هذا القرار الصعب احتجاج صارخ وإدانة موخزة للنظام الليبي الذي كان يبلغه بعمله هذا أن لا مكان للثقافة وحرية الرأي في هذه البلاد .
وأحسب أن عمرو النامي اختار هذه المهنة أسوة بالأنبياء والرسل فمن شأن هذه الحياة الهادئة البعيدة عن صخب المدينة وبريقها الزائف أن تقرب المرء من نفسه وتجعله يعيش في روحانية مطلقة ، كان ذلك اختيار عمرو النامي على الرغم من أنه يمثل المسلم الحركي والمثقف الاجتماعي ، والأديب صاحب الرسالة الصادقة .
غير أن أعين الجواسيس لاحقته وهو في عزلته ، وطاردته وهو في صحرائه ومع شويهاته ، ولم يسالموه حتى يحقق مشروعه ، أو يعيش عزا كريما كما كان يمني نفسه بذلك دوما .
- في مواجهة الطغيان :