الفصل الثاني: جابر بن زيد ، الإمام الأول للمذهب الإباضي
الجزء ١ · صفحة ٩٧وكان من شأن هذه الاتصالات الواسعة بأناس نافذين ، وبعائلات ذات مكانة ، وهذا التقدير العام لمعارف جابر ، أن يثير حذر الحجاج بن ويسف منه . فقد حاول أن يستميله إلى جانبه وعرض عليه منصب القضاء ، غير أن جابرا رفض هذا العرض ( 30) . وتقول المصادر إن جابرا أظهر في حالات كثيرة معارضته للحجاج ؛ ويقال أن جابرا رفض تسليم قلم للحجاج قائلا له أن النبي قال : (( لعن الله الظالمين وأعوانهم وأعوان أعوانهم ولو بمد قلم )) ( 31 ) .
كذلك رفض أن يوافق الحجاج على مسألة المسح على الخفين في الوضوء وقال : أدركت جماعة من صحابة النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فسألتهم : هل يمسح رسول الله على خفيه ؟ فقالوا : لا ( 32 )
وكان جابر نفسه حذرا ، متيقظا في اتصالاته بأصدقائه وأنصاره ، هذا ما يمكن أن نلاحظه بوضوح من مراسلاته ، إذ طلب إتلاف خمس من رسائله وأعطى الأسباب لذلك في ثلاث منها - ( أ ) في رسالته إلى الحارث بن عمرو ، أحد قدماء (( الأتباع )) في الكوفة ( 33 ) ، كتب جابر : أعلم ، أصلحك الله ، أنك في بلاد لا أحب أن تذكر فيها اسمي ولذلك لا تنقل أي شيء مما كتبته لك ( 34 ) .
ولعل ذلك وقع في عهد زياد لأن الحارث توفي في أثناء خلافة يزيد بن معاوية . ( ب ) في رسالته إلى عبد الملك بن المهلب ، كتب جابر : اكتب لي ما تحتاجه وأرسله لي سرا مع من تثق به ؛ إنك تعرف وضعنا ، والذي نخشاه هو أولئك الذين يبحثون عن أسباب لإيذائنا ، ولذلك لا تخاطر بما قد تسبب لنا به زوالنا . أصلح الله أمورك )) ( 35 ) .
وفي رسالة أخرى وصف شؤون الأمراء ( الحكام ) بما يلي : (( أنتم تعلمون شؤون الأمراء ؛ أننا نخشاهم ؛ وهم يبحثون عن أعذار ضدنا )) ( 36 ) . إن جميع هذه المقتطفات من المعلومات تبين أن جابرا كان دائما يخاف الأمراء ، الحكام ، وأنه كان حذرا في نشاطاته .