[المقام الخامس]: طاعة الجبابرة تمنع من سلوك طريق الآخرة
الجزء ١ · صفحة ٢٣٠و عند هذا الحال قال علماء قومنا بوجوب طاعة هؤلاء الأمراء الذين هذه صفتهم، و لا يجوز الخروج عليهم، و لا الاعتراض، متعلقين بحديث " إن أحسنوا فعليكم الشكر، و إن أساءوا فعليكم الصبر " و لم يقل بهذا صحابة رسول الله - صلى الله عليه و سلم - فيمن قام بواجب الدين، وفتح الفتوح، و أجل قدر الإسلام، الذي عنده على الأقل ديانة وشريعة، ويبيت على محرابه متعبداً، حين انحرف عن الخطة الشرعية في بعض المواد، تنادوا عليه من شرق البلاد و غربها، حتى حصروه في بيته، وقتلوه بين ظهراني الأمة، و لم يقولوا كما يقول قومنا، اللهم إلا إذا كانوا لا يرون لهم ذلك، و لكنهم كانوا هم الحجة في الدين، و لذا لم يعارضهم في ذلك معارض، و لا قام ضدهم قائم من المسلمين، و الأحاديث التي جاءت من وراءهم لا يلتفت إليها.
و لما قالوا تلك المقالة نطيعهم حد الطاعة، و لا نرى الخروج عليهم لأحاديث يروونها فيهم، تجاسر أولئك العتاة الظلمة، و حكموا أهواءهم، و تحكموا فيما يشتهون حيث لم يروا لهم معارضاً، و لا لأعمالهم معترضاً، فتركوا حدود الله مضاعة، و حُرُم الدين مهتوكة، و حقوق الدين غير منظور إليها، و لا قيمة لأهلها، و لا رعاية لواجباتها مطلقاً.[156]
و اعلم أنَّا قدمنا فيما سبق أنَّ أمراء الظلم كل من تولى أمراً من أمر المسلمين، ولم يسر فيه سيرة المؤمنين، و لا نهج به مناهج الخلفاء الراشدين، و أول من سار في المسلمين بسيرة الجورة الظالمين بنوا أمية، و أولهم عثمان بن عفان حيث ولاه المسلمون على أمرهم، و حكموه على أنفسهم، و قاموا معه قيامهم مع صاحبيه، حتى غير، و بدل، و كان عليه من المسلمين ما علم.