المقام الثالث: [اعْرَفِ الرَّجَالَ بِالحَقِّ لا الحَقَّ بالرِّجَالِ]
الجزء ١ · صفحة ١٤٤المقام الثالث: [اعْرَفِ الرَّجَالَ بِالحَقِّ لا الحَقَّ بالرِّجَالِ]
[ الشرح ]
كنَّا وضعنا لهذا المقام عنواناً هو " اعرف الرجال بالحق لا الحق بالرجال" ذلك لأنَّ الإباضية عرفت بالحق في جميع أدوار حياتها الدينية، و لا تعتمد على غيره، و لا ترى غيره شيئاً أبداً مهما كان، و أياً كان حلواً كان أو مُراً، و كما قلنا سابقاً أنَّ الإمام عبد الله بن إباض لم يكن من العلماء الذي تحيزوا بمذاهبهم، وتميزوا بطرقهم، و دعوا الناس لأن يقلدوهم في أقوالهم، و أفعالهم، و اختياراتهم الخاصة.
فإذا فتشت آثار المسلمين، و قرأت كتبهم مطلقاً من مشارقة، أو مغاربة، أو أياً كانوا لم تجد فيها قولاً واحداً لعبدالله بن إباض و لا لأبيه أيضاً، في أي شأن من شؤون الدين بل والدنيا أيضا، و في أي نوع من أنواع الفقه أو غيره، إلا ما كان منه من نقاشٍ أو ردٍ على سلطان وقته عبد الملك بن مروان، فقد رد عليه أشياء ينكرها الشرع، و على كل حال كان عبد الملك ملكاً كبيراً إذ يتسمى باسم الخليفة، و هي التسمية للخلفاء الراشدين، ولديه كل ما كان من السلطات الإسلامية، و تحت يده إذ ذاك كل القوة والشدة [89] و البأس ؛ فكانت له سطوات على الناس فَعَّالة لا تنكر، و كان إنكارُ المنكر واجباً، و لكن من ذا الذي يقدر أن يقوم بذلك الواجب فينكر على عبدالملك ؟؟، و أين هو الذي يستطيع أن يرفع عقيرته أمام ذلك السلطان ؟؟، و من أعوانه الحجاج بن يوسف ذلك الطاغية الظالم العاتي و أمثاله.