سورة المائدة
الجزء ١ · صفحة ٣١٨قل يا أهل الكتاب: لاَ تَغلوا فيِ دينكم} الغلوُّ: مجاوزة الحدِّ، فغلُوُّ النصارى رفعه فوق قدره باستحقاق الألوهيَّة؛ وغلوُّ اليهود وضعه عَن استحقاق النبوَّة. ﴿غير الحقِّ﴾ أَي: علوًّا باطلا، وقوله ﴿غير الحقِّ﴾ أَي: فيِ دينكم (لَعَلَّهُ) المخالف [132] للحقِّ؛ وذلك بأنَّهم خالفوا الحقَّ، (لَعَلَّهُ) فيِ دينهم، لأنَّ الغلوَّ فيِ الدين غلوَّان: حقٌّ، وَهُوَ أن يفحَص عَن حقائقه، وينقش (1) عَن أباحر [كَذَا] معانيه، ويجتهد فيِ تحصيل حججه، كما يفعل المتكلِّمون من أهل العدل والتوحيد، وغلوٌّ باطلٌ وَهُوَ أن يتجاوز الحقَّ، ويتخطَّاه بالإعراض عَن الأدلَّة واتِّباع الشبهة، كما يفعل أهل الأهواء والبدع. ﴿وَلاَ تتَّبعوا أهواء قوم قد ضلُّوا مِن قبلُ، وأضلُّوا كثيرا وضلُّوا عَن سواء السبيل (77)﴾ عَن قصد السبيل.
﴿لُعن الذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لسان داوودَ وعيسى ابنِ مَرْيَمَ﴾ أَي: أنزل لعنهُم عَلَى ألسنتهما بِمَا أوحي إِلَيْهِما، ﴿ذَلِكَ بِمَا عصوا وكَانُوا يعتدُونَ (78)﴾ ذَلِكَ اللَّعن بعصيانهم واعتدائهم؛ ثُمَّ فسَّر المعصية والاعتداء بقوله: ﴿كَانُوا لاَ يتناهون﴾ لاَ ينهى بعضهم بعضا ﴿عَنْ منكر فعلوه، لبِئسَ مَا كَانُوا يفعلُونَ (79)﴾، وفيه دليل عَلَى أنَّ ترك المنكر مِنَ العظائم.
{
(1) - … كذا في الأصل، ولعلَّها من البحث والاستخراج، قال في اللسان: «ونَقَش عن الشوكة ينقشها نقشا، وانتقشها: أخرجها من رجله، وبه سمِّي المنقاش». ابن منظور: لسان العرب، 6/ 704، مادَّة «نقش».