موقف المحدثين من الخوارج
الجزء ١ · صفحة ١١٨على أن هذا سبب من الأسباب وليس كلها، فمن الأسباب الأخرى اشتغال أكثر فرق الخوارج بقتال الدولة الأموية والعباسية من بعدها وانهماكهم في ذلك مما جعل فرصة اللقاء بهم ضئيلة.
ولذلك كله لم تكثر الرواية عن الخوارج، فالبخاري مثلاً لم يروِ إلا عن أربعة أو خمسة منهم.
موقف المحدّثين من الإباضية خاصة:
بما أن المحدثين يحشرون الإباضية ضمن فرق الخوارج فقد حكموا عليهم بما حكموا به على الخوارج، إلا أن موقف الإباضية المعتدل من مخالفيهم كان له أثر في العلاقة بينهم وبين المحدثين الذين تفاوتت عباراتهم عن الإباضية بين الثناء والإعجاب وبين الطعن والأمر بالترك.
فمن الأمثلة الدالة على ذلك ما قاله سفيان بن عيينة عن علي بن الحصين العنبري حيث قال عنه: "وكان علي بن حصين ههنا وأي رجل كان؟ هل كان ههنا رجل يشبهه؟ وكان يهز رأسه"(37) ويقول سفيان أيضاً عن راوٍ آخر من الإباضية هو الوليد بن كثير: "كان الوليد بن كثير إباضياً ولكنه كان صدوقاً، وكنت أعرفه ها هنا ولم أكلمه، وكان يعتمر، وقد كنت عرفته حين أتيت واسط، فأنزلني في دار هو فيها، وقد كان ابن شبرمة قبل ذلك قال لي: إنه كان يفتيني ويذهب معي في حاجتي، فقلت: دعوه حسبك الآن منه"(38)، وهذا النص الأخير يبين لنا طبيعة علاقة المحدثين برواة الإباضية، وأن تلك العلاقة تأخذ أحياناً طابع التقارب والتداخل وتناسي الخلافات، بينما تأخذ أحياناً طابع الحذر وعدم الاطمئنان، على أن الملاحظ أن المبادرة في هذين الأمرين تكون غالباً من طرف المحدثين وليس الراوي الإباضي.
-----------------------------------------
1-ابن حجر (هدي الساري-مقدمة فتح الباري) ص635 ترجمة (الوليد بن كثير).