الكتاب 1 في الطهارات
الجزء ٣ · صفحة ٢٨٦وَأَمَّا الْمكرِّهون: فلَعَلَّهم يَحتجُّون بِما يروى عن جابر قال: أتانَا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مَرَّة ونَحن نائمون في الْمَسجِد فَحرَّكنا بِعَسيب كان في يده، وقال: «قُومُوا لاَ تَرقُدُوا في الْمَسجِد فَإِنَّمَا بُنِيَت الْمَسَاجِدُ لِمَا بُنيَت لَه».
وَأَمَّا مَن جوَّز ذَلِكَ للمسافر دون غيره، وفي مَوْضِع الضرورة والْحاجة دون غَيْرها: فلَعَلَّهم حاولوا الْجَمْع بين أَدِلَّة /146/ الترخيص ودَلِيل التكريه.
فحَملوا ما ورَد من أَدِلَّة الترخيص عَلَى حالِ الضرورة أَو السفرِ، فإنَّ الناس كانوا في ضيق معيشة، وضرورة لا تَخفى عَلَى أحد، فأهل الصفَّة وغيرهم كَانوا لا مَنازل لَهم فاحتاجوا إلى الْمَسجِد.
وَأَمَّا مَن وجد غَيْره مَسكنا ومَحلا فلا يؤويه إِلاَّ للعبادة وأَنْوَاع الطاعات. كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «قُومُوا لاَ تَرقُدُوا في الْمَسجِد فَإِنَّمَا بُنِيَت الْمَسَاجِدُ لِمَا بُنيَت لَه»، وَاللهُ أَعلَم.
الْفَرع السادس: في النائم إذا أجنب في الْمَسجِد:
روي عَن زَيد بن أسلم أَنَّهُ قال: «كانَ أَصحابُ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - يُجنبُونَ وهُم فِي الْمَسجِد». واختلفَ في النائمِ إذا أجنبَ:
- فقِيلَ: لا بأس عَلَيهِ أن يتمّ نومه أو قعوده. - وقِيلَ: لا يَقعد في الْمَسجِد إِلاَّ لضرورة.
ثُمَّ اختلف هؤلاء:
- فمنهم: مَن يرى عَلَيهِ التَّيَمُّم إذا أراد الْخُرُوج. – ومنهم: من لا يرى عَلَيهِ ذَلِكَ.
وَلَعَلَّ حُجَّة مَن أوجب عَلَيهِ التَّيَمُّم قياس الْخُرُوج منه عَلَى الدخول فيه؛ لأَنَّ الْجَمِيع مرور في الْمَسجِد.
وَلَعَلَّ مَن لا يرى وُجوب ذَلِكَ يفرِّق بين الْحَالين، فإن الْخُرُوج مضطرّ إليه لا مَحالة، ولا ضرورة في الدخول؛ فَافترق الْحَالان.