الكتاب 1 في الطهارات
الجزء ٣ · صفحة ٢٩٦وَأَمَّا الْمُرَخِّصُونَ: في مسِّ الْمصحَف وغيره فَقد تأوَّلوا قَوله تَعَالَى: ﴿لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾ وحَملوا ذَلِكَ عَلَى الإخبار عن الْمَلاَئِكَة.
والْجَوَاب: لا نُسلِّم أن الْمُرَاد بذَلِكَ الإخبار، بل نقول إن الْمُرَاد به النهي.
سَلَّمْنَا، فيجبُ أن يكون غَيْر الْمَلاَئِكَة في مسِّ الْمصحَف كالْمَلاَئِكَة، فلا يَمسه إِلاَّ الطاهر.
سَلَّمْنَا، فَالْحَدِيث عَن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «لا يَمسُّ الْقُرْآنَ مَن هُو /155/ عَلَى غَيْر طُهرٍ» صَريح في النهي عن ذَلِكَ، وَاللهُ أَعلَم.
وَأَمَّا تَرخيص أبي حنيفة: في حَمل الْجُنب الصرَّة التي فيها الدراهم فيها السورة مِن الْقُرْآن فلَعَلَّه نَظر إلى حاجة الناس إلى ذَلِكَ القدر دون ما عداه، فرخَّص لَهم في ذَلِكَ للضرورة، ولا شكَّ أن ما فوق الصرَّة إذا احتيج إليه في حُكم الصرَّة، وَاللهُ أَعلَم.
الْفَرع الثالث: في تَعليق التعاويذ عَلَى الْحَائِض والْجُنب:
ذكرَ أبو مُحَمَّد في جَامعه الْخِلاَف في التعاويذ تكون في الرجل والْمَرْأَة ثُمَّ يُجنب الرجل وتَحِيض الْمَرْأَة. قال: "فَرَخَّصَ فيه بعض الفقهاء، وشدَّد فيه آخرون".
قُلْتُ: والترخيص عَلَى هذا الْحَال أنسب؛ لأَنَّه إلى الْحَقِّ أَقرب، وذَلِكَ أَنَّهُ إذا جاز تَعليق التعاويذ عَلَى الإنسان الطاهر؛ فَحدث الْجَنَابَة والْحَيْض لا يوجبان الْحرج عَلَى ما كان مباحا له في أَوَّل الأمر؛ لأَنَّ حدوث الْحَيْض أمر غَيْر اختياري. وكذا الْجَنَابَة في بعض الأحيان فلا معنى للتشديد عَلَى هذا الْحَال.
أَمَّا لو علَّق التعاويذ في حال الْجَنَابَة أو الْحَيْض فالأنسب مَا به الْمَنْع؛ لأَنَّ فيها أسماء الله وآياته، وهي بعض الْكِتَاب الْمكنون ﴿لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾.