الكتاب 1 في الطهارات
الجزء ٣ · صفحة ٤٢٢وظاهر كلامه -رَحِمَهُ اللهُ- أن الْمَذَاهِب الْمَوجُودة في الْحُمُر الأَهْلِيَّة مَوجودة في الْخَيْل والبغال أَيْضًا، وهو ظَاهر مَذهب الأوزاعي ومالك وأبي حنيفة فَإِنَّهُم قالوا بتكريه الْجَمِيع إِلاَّ أن كراهتها عِند مالك كراهة تنزيه لا تَحْرِيم.
وَأَمَّا الشافعي: فجوَّز أكل الْخَيْل، وحرَّم الْحُمُر الأَهْلِيَّة، وَأَمَّا البغال فَقد ذكر الدَّميري: أنه يَحرم أكل الْمتولِّد منها بين الْحِمَار الأهلي والفرس، قال: فإن تولَّد بين حِمار وحشي وفرس حلّ.
احتَجَّ الْمحرِّمُون: بِقَوله تَعَالَى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾، وبِحديث البراء بن عَازب قال: «نَهانَا رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يَومَ خَيبَر عَن لُحُومِ الْحُمُرِ، وكَانَ الناسُ أَصَابَتهُم مَجاعَة يَومِ خَيبَر، فَوقَعُوا فِي الْحُمُرِ الأَهْلِيَّة فَانتَحرُوهَا، فَلَمَّا غَلَت الْقُدُور نَادَى مُنادِي رَسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن اكفِئُوا القُدُورَ، ولاَ تَأكلُوا مِن لُحُوم الْحُمُر شَيئًا، فَأكفَأنَاهَا»، وجَعل الْخَيْل والبغال مثلها في الْحُكْم لشبهها بِها في الصورة وارتفاع الذكاة.
ووجه الاحتِجَاج بالآية: ما قالوه أن منفعة الأكل أعظم من منفعة الركوب، فلو كان أكل لَحْم الْخَيْل جائزا لكان هَذا الْمَعْنَى أولَى بالذكر، فَلَمَّا لَمْ يذكره /272/ الله تَعَالَى عَلِمنا أَنَّهُ يَحرم أَكله.
وأَيْضًا: فَإِنَّهُ تَعَالَى قال في صفة الأنعام: ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾، وهذه الكلمة تفيد الْحصر، فيقتضي أن لا يَجُوزُ الأكل من غَيْر الأنعام، فوجب أن يحرم أكل لُحُوم الْخَيْل وما بعدها بِمقتضى هذا الْحصر.
وأَيْضًا: ذكر تَعَالَى: أن الْخَيْل وَالبغال والْحَمِير مَخلوقة للركوب فَهذا يقتضي أن منفعة الأكل مَخصُوصة بالأنعام، وغير موجودة في هذه الأشياء.