الكتاب 1 في الطهارات
الجزء ٣ · صفحة ٤٤٥وإذا عَرفت أن أرواثها وأبوالَها نَجسة فاعلم أنَّهم قالوا بنَجَاسَة خبث الْحيَّات والأماحي والْحَتانين والفأر؛ لأَنَّهَا ملحقة بالسباع، وكَذَلِكَ بولُها. وقيل: لا بأس بأرواثها ولا [بأس] بأبوالها؛ لأَنَّهَا جنس بِرأسها، وليست من السباع في شيء.
ورفع الوَضَّاح بن عقبة عن عبد الله بن النظر الخرساني أَنَّهُ قال: إن قوما طَبخوا أرزا فوجدوا فيه بعرَ فَأر فَرفعوا /292/ ذَلِكَ إلى نصر بن سليمان فلم يَر به بأسا.
وحفظ الثقة أَنَّهُ إذا كان بَعر الفأر في الدهن وكان بعر الفأر نَحو النصف أَنَّهُ لا يفسد. وأعجب الشيخ أبا سعيد القول بطهارة بَعره قياسا على رَوث الأنعام. قال: وأما بوله، فقد قيل: إِنَّه فاسد، إذ لا يكون أهون من الأنعام، وبول الأنعام نَجس عند أصحابنا، فهو مثلها إن لَمْ يَكن أشدّ منها، وقد قيل: إن بوله مثل بعره، وَاللهُ أَعلَم.
وَلَعَلَّ الْمُرَخِّصِين: في أبوال هذه الأشياء وأرواثها نظروا إلى أَنَّهُ لَمْ يَثبت فيها نصٌّ عن الله ولا عن رسوله فلم يقدروا على إثبات حكم لَمْ يكن عليه دليل من كتاب ولا سنَّة.
وَأَمَّا الْمشدِّدُون: فَإِنَّهُم قاسوا هذه الأشياء على أشباهها من الْحَيوَانات فألحقوها بأشبه الأشياء بِها، وَلَمْ يَر الْمُرَخِّصُون هذا القياس لِخفاء علَّته، فحكموا فيها بالإباحة الأصليَّة، وَاللهُ أَعلَم.
الأَمر الرَّابِع: في جلود السباع
وقد اخْتَلَفُوا في الانتفاع بِها، كَنحو اختلافهم في أكل لُحُومها، بل رَخَّص في الانتفاع بالْجُلُود بَعض من حرَّم لُحُومها.
فكان الشافعي يَقول: يُتَوَضَّأ في جلود الْميتَة كُلّها إذا دُبغت، وجلود ما لا يُؤكل لَحْمه من السباع قياسا عليها إِلاَّ جِلد الْكَلْب والْخِنْزِير فإن النَّجَاسَة فيهما - وهُما حيَّان - قائمة. ونقل عن بعض أصحابه: أنَّ جلد ابن آدم إذا مات يطهَّر بالدباغ كسائر الْجُلُود. وقال بعضهم: يَستحيل دباغه، لكن إذا دبغ طَهر كغيره.