الكتاب 1 في الطهارات
الجزء ٣ · صفحة ٤٥٤أَمَّا دَم السمك: فلا يَدخل في التَّحْرِيم؛ لأَنَّ الكلام في دِماء الْحَيوَانات البرية؛ أَمَّا البحريَّة فقد أحلَّها الله تَعَالَى بقوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾، وَلَمْ يستثن من العموم شيئا، فهو على العموم حتى يرد الْمُخصِّص. ووافقنا على ذَلِكَ أبو حنيفة، وخالفنا الشافعي فحرَّم جَمِيع الدِّمَاء مُتمسِّكا بقوله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ…﴾.
وَأُجِيبَ: بأنَّ عموم هَذه الآية مُخصَّص بقوله تَعَالَى: ﴿قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا﴾ الآية، فَإِنَّهُ تَعَالَى وصف الدَّم الْمحرَّم في هذه الآية بِأَنَّه الْمَسفوح، فَاقتضى أن مَا عدا الْمسفوح من الدِّمَاء ليس بِحرام.
قُلْتُ: وهذا الْجَوَاب يقضي بِحلِّ الدِّمَاء غَيْر الْمَسْفُوحة مِن الْحَيوَانات الْبَرِّيَّة، والغرض الْمطلوب إباحَة دَم /300/ السمك لا غَيْر. أَمَّا مُطلق الدِّمَاء فلا تَحلُّ إِلاَّ مَا استثناه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قوله: «أُحِلَّت لَنَا مَيتَتَانِ ودَمَانِ: الطِّحَالُ وَالْكَبِدُ»، وفي رواية: «أُحِلَّ لَكُم مَيتَتَانِ وَدَمَانِ فَالْمَيتَتَانِ: مَيْتَةُ الْجَرَادِ وَالسمَكِ، والدَّمان: دَمُ السَّمَكِ ودَمُ اللَّحْم».
أَمَّا الرواية الأولَى: فَإِنَّمَا أَباحت الطِّحَال والكبد دُون سائر الدِّمَاء، وأطلق عَليها اسم الدَّم، إِمَّا أنَّهما مِن جنس الدَّم الْجامد كما تَدُلُّ عليه ظَاهر الرواية، وَإِمَّا تَشبيها لَهما بالدَّم.
وَأَمَّا الرواية الثانية: فقد أَباحت دم السمك ودم اللَّحْم، فلا تَدُلُّ عَلى إباحة غَيْرهما من الدِّمَاء، فالأولى في الْجَوَاب أن نقول: إنَّ الله تَعَالَى أباح صيد البحر وطعامه وَلَمْ يستثن منه شيئا، وهو على عمومه.