مقدمات
الجزء ١ · صفحة ١٢٢وَقَالَ أبو عَلِيّ من الْمُعتَزِلَة: إِنَّ الهدهدَ كان بِمَنزلة المراهقِ الذِي يُقاربُ حالَ العاقلِ، فَجازَ ذَلِكَ منه عَلَى جِهة التأديبِ، كما يصحُّ من أحدِنَا تأديبُ المراهقِ فِيما يَعصي فِيه أباهُ وسيِّده، وقَد يُسَمَّى التأديبُ تَعذيبًا مَجازًا. وَقيل: إِنَّ سُليمان لَمْ يُرِد وَعِيدَ الهدهدِ، وَإِنَّمَا أرادَ بذَلِكَ غَيره. وَقيل: إِنَّه لَمْ يُرِد وَعِيدَه، وَإِنَّمَا أرادَ تَعذيبَه بِنَتفِ ريشِه. وَقيل: حَبسُه عَن الطيرانِ بِقصٍّ وغَيره، حَيْثُ إنَّهُ فَارقَه من غَير أَمْرِه، وهَذَا جَائز فِي الطيورِ فَسمِّيَ عذابًا، وقَد تُضرَب الدوابُ والكلابُ للتَّعْلِيم والحثِّ عَلَى السيرِ فلاَ يُستَنكر ذَلِكَ، وَأَمَّا ذَبْحُه فَهو كانَ مُطلقا له كما كانَ مُطلقًا لنا فَسقَط بذلكَ تَعلُّقهم.
واحتجُّوا عَلَى تَكلِيفِ الجماداتِ: بِقَولِهِ تَعَالىَ: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾، وكذَلِكَ قَولُهُ تَعَالىَ: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾، قَالُوا: فدلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ جَمِيعَ الأَشيَاء تُسبِّح لله وتَحمدُه، وَهُوَ ما نقَولُهُ.