الكتاب 2 في الصلاة
الجزء ٥ · صفحة ٧٨وفصَّل الشيخ أبو سعيد بَيْنَ الضرر الشديد والتأذِّي الناشئ عَن غير الضرر، فأوجب عَلَى الْمَرِيض أن لا يُدخل الضرر عَلَى جَماعة الْمَسْجِد، وعَلَيْهِ فَيمنع من حضور الْجَمَاعَة، واختار له حضور الْجَمَاعَة عَلَى الوجه الثاني، قَالَ: وما لَمْ يكن من هَذَا الْمَرِيض إدخال الضرر عَلَى عمَّار الْمَسْجِد بوجه الاختيار منه، فأرجو ألاَّ إثْم عَلَيْهِ وله في ذَلِكَ الثواب، إذا قصد إِلَى أداء اللازم، وابتغاء الفضيلة. ثُمَّ فسَّر التأذِّي الْمَذكُور بأن يَكُون ناشئا عن جهة الاستخفاف، وقلَّة الْمبالاة، وعدم الصبر عَلَى الْمكاره. وفسِّر "الضرر" بالضرر الداخل عَلَى الْجَمَاعَة حَتَّى يفضي بِهم الْحَال إِلَى أحد أمرين: إِمَّا أن يَحتملوا الضرر، وَإِمَّا أن يَخربوا الْمَسْجِد من أجله. قيل له: /89/ أيلحق الذِين يتأذَّون بِهَذَا الْمَرِيض إثم؟ قَالَ: معي أَنَّهُ إذا كَانَ التأذِّي عَلَى غير ضرر يقع به فأخشى عَلَيْهِ الإثم، إذا دخل عَلَيْهِ في ذَلِكَ الْمَشقَّة من طريق ما يَحقره فِي التأذِّى.
وحاصل كلامه: إن كَانَ التَّأَذِّي عَلَى جهة الاستخفافِ والاحتقار لِلمريض فذَلِكَ التَّأَذِّي مأثوم صاحبه، وليس عَلَى الْمَرِيض من قبله شَيْء بَل له أن يَحضر الْجَمَاعَة مع ذَلِكَ، وإن كَانَ التَّأَذِّي عن ضرر يُخشى فليس عَلَى الْمتأذِّي شَيْء، ويُمنع من الْحضور لئلاَّ يدخل عَلَى غيره الضرر.
وَإِذَا تأمَّلت السنَّة النبويَّة رأيت فِيهَا ما يَدُلُّ عَلَى منع ذوي الروائح الكريهة من حضور الْجَمَاعَة لِئَلاَّ يؤذِي بعضهم بعضا، وناهيك ما ورد في أكل الثوم والبصل وما جاء في الغسل والتطيُّب يوم الْجُمُعَة، فإن ذَلِكَ كلّه لرفع الأذى، والله أعلم.