الكتاب 2 في الصلاة
الجزء ٥ · صفحة ١٦٢وأَيضًا: فلا مَعْنَى للانتظار بعد دخول الوقت وحضور الْجَمَاعَة، بل الانتظار الْمَأمُور به أن يَجلس الرَّجُل قبل دخول الوقت منتظرا وقت دخولِها، وذَلِكَ هو الرباط في حقِّه؛ وَأَمَّا حديث رافع فَقَالَ بعضهم إِنَّه منسوخ، لِحديث أبي مسعود الأنصاري: «أن رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - أَسفَرَ مَرَّة ثُمَّ لَمْ يَعد إِلَى الإسفار حَتَّى قَبضه الله تَعَالَى»، وحَمله بعضهم: عَلَى الليالي الْمُظلمة، وبعضهم: عَلَى الليالي الْمُقمِرَة فَإِنَّهُ لا يتبيَّن الصبح جيِّدا. وحَمله بعضهم: عَلَى الليالي القصيرة لإدراك النوام الصَّلاَة. وحَمله الشافعي: عَلَى تيقُّن طلوع الفجر وزوال الشكِّ، ويُؤَيِّده ما ورد في بعض طرق الْحَدِيث بلفظ: «أَصْبِحُوا» بَدل: «أَسْفِرُوا». وقال بعضهم: وهَذَا ليس بشَيْء إذ ما لَمْ يتبيَّن لَم يحكم بصِحَّة الصَّلاَة فضلا عن إثابة /189/ الأجر، عَلَى أن في بعض الروايات ما ينفي هَذَا التأويل، وهو «أَسْفِرُوا بِالفَجرِ فكُلَّمَا أَسفَرتُم فَهُوَ أَعظَمُ لِلأَجرِ».
والأظهر في الْجَوَاب: أن يُحمل الْحَدِيث عَلَى بعض الأحوال دون بعض كما حَمَلَه بعضهم عَلَى الليالي القصيرة، أو يقَال: إِنَّهُ منسوخ، وَاللهُ أَعلَم.
وتأوَّل أبو حنيفة ما ورد «أنَّ آخر الوقت عفو الله»، بأن العفو يَجيء بِِمَعْنَى: الفضل، قال تَعَالَى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ يعني: أنفقوا مَا فضل عن قُوتِكم وقوت عِيالكم؛ فالْمَعْنَى آخر الوقت فَضل الله كثير.
والْجَوَاب: أن حَملَه عَلَى هَذَا الْمَعْنَى في الرواية خِلاف الظاهر؛ أمَّا أَوَّلاً: فإنَّ حقيقة العفو في غير الفضل، ولا يُطلق عَلَى الفضل إِلاَّ مَجَازا، ولا قرينة في الْحَدِيث عَلَى الْمَعْنَى الْمَجَازي.