الكتاب 2 في الصلاة
الجزء ٥ · صفحة ١٦٤وتَمسَّك القائلون بأنَّ التعجيل أَفضل بالأحاديث الدالَّة عَلَى فضيلة أَوَّل الوقت، وبأنَّ الصلاَة أَوَّل الوقت في شدَّة الْحرِّ أكثر مشقَّة فتكون أفضل. /191/
وأجيب: بأنَّ أحاديث أَوَّل الوقت عامة أو مطلقة، والأمر بالإبراد خاص، وَلَمْ تنحصر الأفضلية فِي الأشقِّ، بل قد يكون الأخف أفضل.
قالوا: معنَى أبردوا: صلوا فِي أَوَّل الوقت أخذا من برد النهار، وهو أَوَّله.
وأجيب: بِأَنَّه تأويل بعيد، ويرده قوله: «فإنَّ شِدَّة الْحَرِّ مِن فَيحِ جَهَنَّم»، إذ التعليل بذلك يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَطلوب التأخير، وَالله أعلَم.
واستحبَّ بَعضهم: تعجيل العصر فِي الشتاء إِذَا لَمْ يكن غيم، وَأَمَّا مع الغيم فلا مخافة أن يصلوها قبل وقتها. واستحبَّ بَعضهم تأخير العتمة لِما روي أَنَّهُ قَالَ - عليه السلام - : «لَولاَ أَن أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لأَمَرتُهُم بِتَأخِيرِ صَلاَةِ العَتَمَةِ»، ولِحديث أبي برزة الأسلمي: «أَنَّ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - كان يصلِّي الْهجير التي تَدعونَها الأولَى حِين تدحض، (أي: حين تزول عن وسط السماء)، ويصلِّي العصر ثُمَّ يرجع أحدنا إِلَى رحله فِي أقصى المدينة والشمس حَيَّة، وكان يَستَحبُّ أن يؤخِّر العشاءَ التي تَدعونَهَا العتمَة، وكانَ يَكره النوم قَبلها والْحَديثَ بَعدها، وكان يَنفتل مِن صلاة الغداة حين يَعرف الرجلُ جَليسه، ويقرأ بالستين إِلَى الْمئَة»، وَفي رواية: «ولاَ يُبالِي بتأخير العشاء إِلَى ثلث الليل، ولا يُحِبُّ النوم قبلها والْحديث بَعدهَا»، وَفي حديث جَابر بن عبد الله قَالَ: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يُصَلِّي الظهر بالْهَاجرة، والعصر /192/ والشمس حيَّة، والْمَغرب إِذَا وَجبت، والعشاء إِذَا كثر الناس عجل، وإذا قلوا أخَّر، والصبح بغلس»، وقال بَعض: الإسفار بِمزدلفة أفضل.