مقدمات
الجزء ١ · صفحة ١٤٨وَقيل: إِنَّ التلفُّظ بالْجُملَةِ لَيسَ بِشرط مُطلقا بل يَصحُّ الإيمانُ بالتصديق بِهَا من غَير تلفُّظ إِلاَّ لِمَنْ كانَ مُشركا، أَو فِي دارٍ يُحكم عَلَى أَهْلِها بالشركِ فَطُولِب بالنطقِ بِهَا، فَإنَّهُ فِي هَذين الحالَين لا يُجزِئ إِلاَّ التلفُّظ بِهَا إِجْمَاعًا؛ فأمَّا المشرك فَإنَّهُ قد عصَى بلسانِه وقَلبِه، ولا يُجزِئه التوبَة بِقلبه بل لاَ بُدَّ منَ التَّلَفُّظ باللسانِ؛ لأَنَّ «التوبَة مِن السريرَة بالسريرَة، ومِن العلانيَّة بالعلانيَّة» كما فِي حَدِيث مُعاذ، وَأَمَّا المطالِب بِهَا وَهُوَ فِي دارِ الشركِ فَإنَّهُ يَجِبُ عَلَيهِ الإتيانُ بِهَا لئلاَّ يُبيح مِن نفسه القتل والسبيَ واللعنَ مِن المسلمين.
وأَحْكَامُ الله لاَ تَختلف، فَمن لَمْ يَكن مُسلما عندَ المسلمين فَهو مُشرك، وقَد حَكَم رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - بأَحْكَامِ الشرك عَلَى قومٍ قالَ الله تَعَالىَ فِيهم: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾، فإذا جاءَ بالْجُملَة التي كانَ يدعُو إِلَيْهَا رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - كانَ مُسْلِمًا إِجْمَاعًا، ما لَمْ يَنقضهَا بِشَيْءٍ منَ الأَحدَاث، كَشكٍّ فِيها أَو فِي شَيْء من تفسيرها، أََو جحودٍ لَها أَو لِشَيء مِن تَفسيرهَا، أَو جَهل بِهَا أَو بِشَيْءٍ من تَفسيرهَا، فَإن كانَ مِنه شَيْء من هَذِهِ الأَحدَاث فِي الْجُملَة كانَ مُشركا إِجْمَاعًا، وإن كانَ شَيْء منه فِي تَفسيرهَا فقَد يُشرك فِي بَعْضِ المواضِع ويُنافِق فِي بَعْضِها، وَالله أَعلَم.