الكتاب 2 في الصلاة
الجزء ٥ · صفحة ٢٥٩وَأَمَّا القول الآخر: فيدلُّ عَلَى أَنَّ قائله ينكر ذلك، وصوَّب الفخر وجودها في زمان آدم - عليه السلام - ، واحْتَجَّ عَلَى ذلك بوجوه:
أحدها: إنَّ تكليف الصَّلاَة كان لازما في دين جَمِيع الأنبياء - عَلَيْهِم السلام - بدَلِيل قوله تَعَالَى في سورة مريم: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ…﴾ إلى قوله تَعَالَى: ﴿…خَرُّوا سُجَّدًا﴾ قال: فدلَّت الآية عَلَى أنَّ جَمِيع الأنبياء - عَلَيْهِم السلام - كانوا يسجدون لله، والسجدة لاَبُدَّ لَها من قبلة، فلو كانت قبلة شِيث وإدريس ونوح - عَلَيْهِم السلام - موضعا آخر سوى الكعبة لَما كان لقوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ مَعنَى؛ فوجب أن يقَال: إنَّ قبلة أولئك الأنبياء الْمتقدمين هي الكعبة، فدلَّ هذا عَلَى أنَّ هَذِهِ الْجِهَة كانت أبدا مشرفَّة مكرَّمة.
وثَانِيهَا: أنَّ الله تَعَالَى سَمَّى مَكَّة: "أم القرى"، وظاهر هذا يقتضي أنَّهَا كانت سابقة عَلَى سائر البقاع في الفضل والشرف منذ كانت موجودة.
وثَالِثُها: روي أنَّ /309/ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال في خطبته يوم فَتح مَكَّة: «ألاَ إِنَّ اللهَ قَد حَرَّمَ مَكَّة يَوم خَلَقَ السمواتِ وَالأرضَ وَالشَّمسَ وَالقَمَرَ»، وتَحريم مَكَّة لا يُمكن إِلاَّ بعد وجودها.
وَرابِعُهَا: أَنَّ الآثار الْمتقدّم ذكرها عن الصحابة والتابعين دالَّة عَلَى أنَّهَا كانت موجودة قبل زمان إبراهيم - عليه السلام - .
احْتَجَّ من ينكر ذلك: بِما روي أنَّ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - سئل عن أَوَّل مَسجد وضع للناس؟ فقال عَلَيْهِ الصَّلاَة والسلام: «الْمَسْجِدُ الْحَرام ثُمَّ بَيتُ الْمَقدِس»، فَقيلَ كَم بَينَهمَا؟ قالَ: «أَربَعُونَ سَنَة».