الكتاب 2 في الصلاة
الجزء ٥ · صفحة ٢٨٥وكَذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْهِ الاجتهاد اتِّفَاقا في القرية الكبيرة إذا أخطأت مَحاريبها الْقِبْلَة؛ لأنَّ من يوجب عَلَيْهِ اتِّبَاعها إنَّما يقول بذلك عند موافقتها الْحَقّ دون ما إذ أخطأته، إذ الْخَطَأ مردود وإن كثر قائلوه. وكان عبد الله بن الْمبارك يقول بعد رجوعه من الْحَجِّ: "تَياسروا يا أهل مَرو".
وقد أوجبَ عَلَيْهِ بعضهم الاجتهاد عند وجود الْمحاريب الْمنصوبة في القرية الكبيرة لِما تَقَدَّم من وجوب تقديم الاجتهاد عَلَى التقليد، وَاللهُ أَعلَم.
وَأَمَّا النوع الثالث: فهو ما يَتَرَكَّب من الاجتهاد وقول الغير: وهو أن يُخبره إِنسَان بِمواقع الكواكب، وكان هو عالِما بالاستدلال بِهَا عَلَى الْقِبْلَة، فها هنا يَجِبُ عَلَيْهِ الاستدلال بِما يسمع إذا كان عاجزا عن رؤيتها بنفسه، وَاللهُ أَعلَم.
الْمَسأَلَة الرَّابِعَة: في الأعذار الْمسقطة لوجوب استقبال الْقِبْلَة
وهي: أشياء تَقَدَّم بَسطها في شرح الأبيات، ولنتكلَّم الآن فِي حُكم مَن عَمِيت عَلَيْهِ الدلائل فلم يَهتد السبيل إلى الكَعْبَة، وذلك كالأعمى الذي لَمْ يَجد من يَدُلُّه /345/ عَلَيْهَا، وكالذي يكون في الظلمة التي خفيت الأمارات بأسرها عَلَيه، أو تعارضت الأمارات لديه وعجز عن الترجيح.
فاعلم أَنَّ مَن خَفيت عَلَيْهِ الْقِبْلَة بشيء من هذه الأسباب ونَحوها لا يَخلو من أحد أمرين: لأَنَّهُ إِمَّا أن يَميل قلبه إلى أنَّ هذه الْجِهَة أولى بأن تكون قِبْلَة من سائر الْجِهَات، من غير أَن يَكُون ذلك الترجيح مَبْنِيًّا عَلَى استدلالٍ، بل يَحصل ذلك بِمجرد ميل القلب إِلَيه. وَإِمَّا أَلاَّ يَميل قلبه إلى جهة دون جهة.
فَإن كان الأمر الأَوَّل: وجب عَلَيْهِ أن يتَوجَّه حيث مال قلبه، وهو مَعنَى التَّحَرِّي الذي ذكره أَصحَابنَا في هذا الْمَوضِع، ويدلُّ عَلَى وجوب ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - : «الْمُؤْمِنُ يَنظُرُ بِنُورِ اللهِ».